أقلام وأراء

السّبت 13 يونيو 2026 3:15 مساءً - بتوقيت القدس

خارج حسابات الصيف الغربية.. غياب لافت للأدب العربي وقضايا الحروب الراهنة

كشفت القوائم الثقافية الصادرة مؤخراً عن توجهات القراءة في الغرب لموسم الصيف الحالي عن ملامح مشهد أدبي يبتعد بشكل ملحوظ عن القضايا السياسية الساخنة والحروب المباشرة. ورغم ما يشهده العالم من صراعات دامية في غزة وأوكرانيا والسودان، إلا أن الترشيحات فضلت الانكفاء على موضوعات الذاكرة الشخصية والمنفى التاريخي، بعيداً عن الاشتباك مع الواقع الإنساني المرير لهذه النزاعات.

أظهرت الاختيارات التي شارك فيها نخبة من الكتاب والمفكرين هيمنة واضحة لموضوعات الهوية والشتات، حيث برزت مذكرات الكاتب النمساوي 'ستيفان زفايغ' كشهادة تاريخية على انهيار أوروبا القديمة وصعود الفاشية. وقد اعتبر المحللون أن العودة إلى هذه النصوص تعكس رغبة في فهم الحاضر عبر مرآة الماضي، دون التورط في تحليل الصراعات الجيوسياسية المعاصرة التي تشكل الوعي العالمي اليوم.

وفي سياق متصل، لفتت مصادر ثقافية إلى الغياب الصادم للأدب العربي المترجم عن هذه القوائم، رغم الزخم الذي تشهده آداب مناطق أخرى مثل أفريقيا وأمريكا اللاتينية. هذا الغياب يضع المؤسسات الثقافية العربية أمام تساؤلات جوهرية حول قدرتها على اختراق دوائر التأثير والنقد العالمية، وإيصال صوت المبدع العربي إلى القارئ الغربي الذي يبدو منشغلاً بآفاق أدبية أخرى.

التاريخ كان حاضراً بقوة في ترشيحات المؤرخين، حيث ركزت أعمال مثل 'هذا العالم الصغير' للباحثة نانديني داس على تفكيك السرديات القومية الضيقة لصالح رؤية أكثر شمولية للعالم في القرون الماضية. وتأتي هذه الاختيارات في محاولة لإعادة بناء التصورات التقليدية عن الماضي وفهم جذور الحضارة المعاصرة من خلال استحضار تجارب بابل والإسكندر الأكبر.

وعلى صعيد القضايا الاجتماعية، برزت النسوية المرتبطة بالأزمات البيئية كأحد المحاور الرئيسية في القائمة، حيث رشحت الروائية تهيمة أنام كتاب 'النسوية من أجل عالم مشتعل'. ويدعو هذا العمل إلى حراك جماعي يربط بين حقوق المرأة ومواجهة التغير المناخي، مما يعكس تحولاً في الأدب النسوي نحو قضايا الوجود الكوني والأزمات الوجودية التي تهدد الكوكب.

كما سجلت مذكرات السيرة الذاتية حضوراً لافتاً، حيث أوصى كتاب مرموقون بأعمال تستكشف تجارب الإعاقة والهوية الهجينة، مثل مذكرات ريموند أنتروبوس التي تناولت الصمم والجذور الجامايكية البريطانية. هذه النصوص الهجينة التي تمزج بين التحقيق الاجتماعي والسيرة الشخصية باتت تجذب القراء أكثر من الروايات التقليدية، لقدرتها على ملامسة الواقع بأسلوب توثيقي.

ومن الملاحظ أن البعد الديني غاب بشكل شبه كامل كموضوع فكري مستقل في هذه الترشيحات، رغم الدور المتنامي للدين في النزاعات الدولية المعاصرة ونقاشات الهوية في أوروبا. ويبدو أن النخبة الثقافية الغربية تفضل معالجة قضايا القيم العامة من منظور علماني أو فردي، متجاهلة التأثيرات الحضارية العميقة للمكون الديني في تشكيل المواقف السياسية والاجتماعية.

وفي المقابل، حضرت قضايا الهجرة والعرق عبر توصيات الروائية زادي سميث التي سلطت الضوء على أدب الشتات الأفريقي وتوثيق نصف قرن من الإبداع في هذا المجال. كما تناول الروائي غاري شتاينغارت تجربة المهاجرين في الولايات المتحدة عبر رواية ساخرة، مما يشير إلى أن الاهتمام الغربي ينصب على المهاجر 'داخل' مجتمعاتهم أكثر من اهتمامهم بمآسي الشعوب في مواطنها الأصلية.

وتشير التحليلات إلى أن القراءة الصيفية في الغرب لم تعد مجرد وسيلة للترفيه العابر، بل تحولت إلى نافذة لفهم التحولات الكبرى من أزمات الهوية إلى أسئلة العدالة الاجتماعية. ومع ذلك، يبقى هذا الفهم منقوصاً طالما استمر تجاهل أصوات الضحايا في مناطق النزاع المشتعلة، وطالما بقي الأدب العربي بعيداً عن منصات التتويج والترشيح العالمية.

وعند مقارنة هذا الواقع بالبيئة الثقافية العربية، يظهر بوضوح غياب تقاليد 'القراءة الصيفية' كفعل مؤسسي موجه للجمهور، حيث تنشغل الوسائل الإعلامية بالمهرجانات والفعاليات الاحتفالية. هذا التباين يؤدي إلى تحويل الثقافة في المنطقة العربية إلى حدث عابر بدلاً من أن تكون مشروعاً معرفياً يراكم الوعي ويحفز التفاعل النقدي مع قضايا العصر.

إن غياب الأدب العربي عن هذه القوائم ليس مجرد صدفة، بل هو انعكاس لضعف حركة الترجمة الممنهجة وغياب الاستراتيجيات الثقافية القادرة على تسويق المنتج الإبداعي العربي. فبينما تنجح آداب آسيا في فرض نفسها، يظل الكاتب العربي أسيراً لدوائر محلية ضيقة، أو لترجمات محدودة لا تصل إلى قوائم 'الأكثر قراءة' أو 'الأكثر تأثيراً'.

كتاب 'قال الموتى' للكاتبة دويرين ني غريوفا قدم نموذجاً للأدب الذي يعيد بناء أصوات المهمشين من خلال أرشيف المصحات العقلية، وهو ما يعزز اتجاه الأدب نحو 'الوثيقة'. هذا النوع من الكتابة يثبت أن القارئ المعاصر يبحث عن الحقيقة الممزوجة بالتخييل، وهو ما يتوفر بكثرة في الواقع العربي لكنه يفتقد للوسيط الثقافي الفعال الذي ينقله للعالمية.

وفي الختام، تعكس اختيارات هذا العام مشهداً ثقافياً تتراجع فيه الحدود بين الفكر والتاريخ والأدب، لكنه يظل مشهداً منقوصاً في شموليتة الجغرافية والإنسانية. إن تجاهل الحروب الكبرى والآداب العريقة كالأدب العربي يجعل من هذه القوائم تعبيراً عن 'فقاعة ثقافية' غربية، تعيد تدوير اهتماماتها الذاتية بعيداً عن آلام العالم الحقيقية.

يبقى السؤال مفتوحاً حول مسؤولية المؤسسات الثقافية العربية في تغيير هذا الواقع، من خلال دعم المبدعين وتنشيط حركة الترجمة العكسية. فبدون حضور قوي في هذه المحافل الدولية، سيبقى الصوت العربي غائباً عن صياغة الوعي العالمي، وسيبقى الأدب العربي مجرد صدى بعيد لا يصل إلى مسامع القراء في عواصم القرار الثقافي.

دلالات

شارك برأيك

خارج حسابات الصيف الغربية.. غياب لافت للأدب العربي وقضايا الحروب الراهنة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.