وجه رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام انتقادات حادة ومباشرة إلى القيادة الإيرانية، متهماً إياها بمحاولة السيطرة المطلقة على القرار السياسي في لبنان، خاصة فيما يتعلق بملف وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل. وأوضح سلام أن طهران تسعى لتكريس صورة لبنان كـ 'ورقة ضغط' في يدها، متجاوزة بذلك صلاحيات الحكومة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية.
وفي مقابلة صحفية أجريت معه مؤخراً، بدا سلام متأثراً بحجم الضغوط التي تواجهها بلاده، مشيراً إلى أن رفض إيران الأخير لمقترحات وقف إطلاق النار كان دليلاً قاطعاً على رغبتها في إظهار نفسها كصانع القرار الوحيد. وأضاف أن هذا الموقف الإيراني جاء ليعطل مساعي التهدئة التي كانت الحكومة اللبنانية تحاول الوصول إليها لحماية ما تبقى من البنية التحتية.
واستذكر رئيس الوزراء اللبناني اللحظات العصيبة التي سبقت اندلاع المواجهة الشاملة في الثامن والعشرين من فبراير، حيث كان يراقب بقلق استعدادات القوى الإقليمية والدولية للتصعيد. وأكد أنه لم يكن يملك سلطة فعلية على تحركات حزب الله العسكرية، مما دفعه للاكتفاء بتوجيه نداءات علنية لضبط النفس ومخاطبة حلفاء الحزب في البرلمان.
وكشف سلام عن تفاصيل تواصله مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في الساعات التي سبقت الحرب، حيث أعرب له عن قلقه العميق من انزلاق البلاد نحو الهاوية. وقد تلقى سلام حينها وعوداً مطمئنة من بري، بعد لقاء الأخير بقادة حزب الله، تفيد بأن الحزب لن ينخرط في الحرب ولن يبادر بفتح الجبهة.
إلا أن هذه الطمأنة لم تدم طويلاً، ففي ساعات الفجر الأولى تغير المشهد تماماً مع إطلاق حزب الله وابلاً من القذائف باتجاه المدن الإسرائيلية. هذا التحرك المفاجئ أشعل فتيل عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق، أدت إلى تدمير قرى كاملة في الجنوب اللبناني وتسببت في موجة نزوح بشرية هائلة.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الحرب تسببت في تشريد أكثر من مليون لبناني، وهو ما يمثل نحو سدس سكان البلاد، في ظل وضع اقتصادي منهار أساساً. وقد تزامنت هذه التطورات مع محاولات الحكومة اللبنانية، بقيادة الرئيس جوزف عون، لفتح قنوات تفاوض مباشرة لإنهاء الصراع الدامي.
ويرى سلام أن رفض إيران لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه الأسبوع الماضي، حتى قبل أن يعلن حزب الله موقفه الرسمي، يعكس مدى هيمنة الحرس الثوري الإيراني. واعتبر أن هذا التدخل السافر يثبت أن القرار العسكري والأمني والسياسي للحزب بات مرتهناً بالكامل للإرادة الإيرانية الخارجية.
أرادت طهران أن تقول إن لبنان ورقة في أيدينا، وإننا نقرر نيابة عن الدولة اللبنانية، فنحن صناع القرار الحقيقيون.
وعقد رئيس الوزراء مقارنة بين الوضع الحالي للحزب وما كان عليه في عهد الأمين العام السابق حسن نصر الله، الذي اغتالته إسرائيل في عام 2024. وأشار إلى أن نصر الله كان يتمتع بمكانة مستقلة نسبياً وقدرة على التأثير في القرار الإيراني نفسه، بصفته منسقاً لمحور المقاومة في المنطقة.
أما اليوم، فيرى سلام أن القبضة الإيرانية اشتدت بشكل غير مسبوق على مفاصل حزب الله، مما جعل الحزب مجرد أداة تنفيذية للسياسات الإيرانية. وضرب مثالاً على ذلك بتجاهل السفير الإيراني في بيروت لقرار الحكومة اللبنانية اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، حيث استمر في منصبه متحدياً الإرادة الرسمية للدولة.
وعلى الصعيد الشخصي، اعتبر سلام أن هذه الحرب شكلت ضربة قوية لمشروعه الإصلاحي الذي بدأه منذ توليه المنصب العام الماضي. وكان سلام قد تخلى عن رئاسة محكمة العدل الدولية في لاهاي، مدفوعاً برغبة في إحداث تغيير جذري في البنية الاقتصادية والقانونية لبلاده التي تعاني من فساد مستشرٍ.
وقبل اندلاع الأعمال العدائية، نجحت الحكومة اللبنانية في تمرير حزمة من الإصلاحات الهيكلية التي نالت استحسان الشركاء الدوليين والعرب. وشملت هذه الإصلاحات صياغة قوانين جديدة لتنظيم القطاع المصرفي، مما وضع لبنان على مسار الحصول على قرض حيوي من صندوق النقد الدولي لإعادة بناء الثقة.
إلا أن الزخم الإصلاحي توقف تماماً مع دوي المدافع، لتجد الحكومة نفسها مثقلة بمهام إغاثية طارئة وعمليات إزالة الأنقاض وتأمين الغذاء للنازحين. وأكد سلام أن الدولة اللبنانية تظل هي الجهة الوحيدة القادرة على حشد الموارد اللازمة لإعادة الإعمار، رغم كل التحديات التي تفرضها القوى الموازية.
وشدد رئيس الوزراء على أن أي انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية لن يتم إلا عبر المفاوضات الرسمية التي تقودها الدولة، وليس عبر صفقات جانبية. واعتبر أن استعادة السيادة الوطنية تتطلب وحدة الموقف الداخلي ورفض أي إملاءات خارجية تسعى لاستخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وفي ختام حديثه، أعرب سلام عن إيمانه بأن فرصة التغيير لا تزال قائمة رغم الدمار، شريطة أن تُمنح الدولة اللبنانية المساحة الكافية لممارسة سلطاتها. وحذر من أن استمرار تغييب دور المؤسسات الرسمية لصالح أجندات خارجية سيؤدي بالبلاد إلى مزيد من التفكك والانهيار الذي قد لا ينفع معه أي إصلاح مستقبلي.





شارك برأيك
نواف سلام يهاجم التدخل الإيراني: طهران تستخدم لبنان ورقة وتصادر قرارنا السيادي