أقلام وأراء

الجمعة 12 يونيو 2026 7:32 صباحًا - بتوقيت القدس

معضلة البلديات: التخطيط الاستراتيجي والحفرة والإسفلت


في كثير من بلداتنا، ينتظر الناس سنوات حتى يصل الإسفلت إلى شوارعهم. وحين تبدأ أعمال التعبيد أخيراً، يشعر الأهالي أن البلدية فعلت شيئا يلامس حياتهم اليومية مباشرة: تخفّ الأتربة، وتتحسّن حركة المركبات، ويتراجع جزء من الكلفة الخفية التي كانت الأسر تدفعها كل يوم من أعصابها وأموالها وصيانة سياراتها.

لكن هذا الشعور لا يكاد يستقر حتى يستيقظ الناس على أصوات الحفارات وهي تكسر الإسفلت الجديد— هذه المرة لتمديد شبكة مياه. يُفتح الشارع من جديد، وتعود الأتربة، وتتعطّل الحركة، ويستمر الوضع أشهراً. وبعد الردم، تأتي جهة أخرى لاحقاً لتنفيذ عملٍ ثالث، فيعود المشهد، ولا يعود الشارع كما كان.

في إحدى الحالات التي اطّلعتُ عليها، كانت الفترة الفاصلة بين رصف الطريق وإعادة حفره أقل من ستة أسابيع. قسم الطرق لم يكن يعلم أن قسم المياه سيحفر، وقسم المياه لم يكن يعلم أن الطريق رُصف للتو. كل قسمٍ نفّذ ما يخصّه وفق خطته المعتمدة، وكلٌّ منها كان على حق في حدود نطاقه.

وهنا تحديداً يكمن العطب: ليس في كفاءة الأقسام، بل في الفراغ الذي بينها. فالخلل لا يقع داخل القسم، بل في المنطقة التي يُفترض أن يحكمها التخطيط.

داخل البلدية، تجري عملية إعداد الخطة غالباً في مسار معروف: يُطلب من كل قسم — الطرق، المياه، الصرف، الكهرباء، التنظيم — أن يكتب ما يراه مناسباً لنطاقه ومشاريعه ومؤشرات نجاحه. ثم تُجمع هذه المدخلات في وثيقة واحدة تحمل عنوان «الخطة الاستراتيجية للبلدية». كل قسم يُنجز ما عليه من حيث الصياغة، ثم تنتقل الوثيقة إلى غلافها النهائي، بينما تبقى الأسئلة الحاكمة معلّقة.

هذا ما أسمّيه طقوسية التخطيط: نمطٌ مؤسسي يُمارَس فيه التخطيط الاستراتيجي بوصفه طقساً شكلياً دورياً يؤدي وظائف رمزية — اكتساب الشرعية والامتثال للمتطلبات الإدارية — دون أن يترتب عليه قرارٌ حاكم، أو إعادة ترتيب فعلية للأولويات، أو تخصيص ملزِم للموارد، أو تغيير ملموس في السلوك التنفيذي.

وفي كثير من الحالات، لا تكون الخطة سوى تجميعٍ لأنشطة ومشاريع موزّعة على مدى زمني، دون تشخيص حقيقي للتحديات، ودون اختيار واضح للأولويات، ودون ترابط ملزِم بين الأقسام والأدوار والموارد. فيعمل كل قسم داخل خطته وكأنه لا يشارك غيره الشارع نفسه.

والسؤال الذي يكشف الخلل بسيط: ما الذي يجب أن يُنفَّذ أولاً؟ وما الذي ينبغي أن يتوقف؟ وما الذي لا يجوز أن يبدأ قبل غيره؟ عند هذا السؤال تظهر المشكلة: أهدافٌ كثيرة، ومشاريع كثيرة، بينما العطب الأساسي هو غياب أولوية حاكمة تُترجَم إلى قرارات ملزِمة لجميع الأقسام. وفي هذا الفراغ يتحرك كل قسم وفق منطقه الداخلي، فيحفظ مساره وميزانيته ونطاقه، وينتقل التخطيط من وظيفة صناعة الاتجاه إلى مجرد جمع المدخلات وتنسيقها شكلياً.

وقد وصف هنري مينتزبرغ هذه الحالة بدقة في كتابه «صعود وسقوط التخطيط الاستراتيجي» (1994)، حين فكّك ما سمّاه «مغالطة التجميع» (the grand fallacy): الوهم بأن جمع خطط الوحدات بعضها إلى بعض يُنتج استراتيجية متماسكة. فالتخطيط — كما بيّن — قد يُحسن ترتيب ما هو قائم، لكنه لا يصنع الاتجاه ولا يخلق التكامل؛ إذ إن جمع الأجزاء الصحيحة لا يُنتج بالضرورة كلاً يعمل بوصفه نظاماً واحداً. كانت كل خطة مقبولة في ذاتها، لكن مجموعها لم يكن يعمل معاً.

ومعضلة «الرصف ثم الحفر» ليست إلا الصورة المبسّطة لهذا العطب: أعمالٌ صحيحة كلٌّ على حدة، متعارضة في مجموعها، لأن التكامل الذي كان ينبغي أن يربطها غاب منذ البداية.

أول ما يجب الالتفات إليه هو إعادة وظيفة التخطيط إلى موضعها الصحيح داخل البلدية. التخطيط يحتاج إلى إطار حاكم يحدّد الأولويات على مستوى البلدة كلها، لا على مستوى كل قسم منفرداً، ويحوّلها إلى قرارات تشغيلية ملزِمة، ويضبط الاعتماد المتبادل بين الأقسام، ويمنع الانتقال إلى التنفيذ قبل معالجة الترتيب والتعارض. عندها فقط يتوقف الشارع عن أن يكون ساحةً تتعارف فيها الأقسام للمرة الأولى — بعد أن يكون التعارض قد صار واقعاً تحت الإسفلت.


دلالات

شارك برأيك

معضلة البلديات: التخطيط الاستراتيجي والحفرة والإسفلت

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.