في ظل الارتفاع الحاد في درجات حرارة فصل الصيف وتفشي الأمراض الجلدية والمعاناة اليومية، تضطر عائلات النازحين في مدينة خان يونس لابتكار حلول قاسية للبقاء. فقد شرع العديد من المواطنين في استخراج قضبان الحديد من بين ركام الجدران والأسقف الإسمنتية للمنازل التي دمرها الاحتلال، وذلك بهدف إقامة دعامات لخيامهم المؤقتة التي لم تعد تقيهم حر الشمس أو تقلبات الجو.
وتأتي هذه الخطوة الاضطرارية نتيجة الشح الشديد في البدائل المتاحة، وارتفاع تكاليف الحصول على الخيام الجاهزة أو الأخشاب اللازمة للبناء بشكل جنوني. ورغم المخاطر الجسيمة التي تحدق بالنازحين أثناء العمل فوق كتل إسمنتية آيلة للسقوط، إلا أن الحاجة لتأمين مأوى ولو بسيط تدفعهم لخوض هذه المغامرة اليومية الشاقة بين الأنقاض.
وأفادت مصادر ميدانية بأن عائلة المواطن أحمد أبو دقة تعد نموذجاً لهذه المعاناة، حيث يعكف أفرادها على انتشال الأسياخ الحديدية لترميم خيمتهم المتهالكة. ويستخدم أبو دقة أسياخاً سميكة من قياسات محددة لتوفير حماية أكبر وتثبيت أركان المأوى، مؤكداً أن هذه المعادن التي كانت يوماً جزءاً من استقرارهم المنزلي باتت اليوم وسيلتهم الوحيدة للصمود.
ولم يعد استخراج الحديد مقتصرًا على الاستخدام الشخصي، بل تحول إلى تجارة ناشئة في أزقة مخيمات النزوح المكتظة. حيث يقبل النازحون على شراء هذه الأسياخ كحل بديل في ظل استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المواد الأساسية، مما جعل من ركام المنازل المدمرة سوقاً غير رسمي يوفر الحد الأدنى من متطلبات التخييم.
هذه الأسياخ الحديدية التي كانت يوماً ما أعمدة لمنازلنا الدافئة، أصبحت اليوم الركيزة الوحيدة التي تمنع خيامنا من الانهيار فوق رؤوسنا.
ويقضي المواطن إبراهيم، المعروف بأبي مصطفى، نهارات طويلة في تحطيم الكتل الخرسانية الضخمة باستخدام أدوات يدوية بسيطة لاستخراج الحديد وبيعه. ويسعى أبو مصطفى من خلال هذا العمل الشاق لتأمين مبلغ زهيد يتراوح بين 50 و60 شيكلاً يومياً، وهو مبلغ بالكاد يكفي لسد الرمق وتأمين الاحتياجات المعيشية الأساسية لعائلته في ظل الغلاء الفاحش.
ميدانياً، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة عن استشهاد 8 فلسطينيين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مما يرفع الحصيلة الإجمالية لضحايا حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023 إلى نحو 73 ألف شهيد. وتتزامن هذه الأرقام مع استمرار الانتهاكات الميدانية التي تطال كافة فئات المجتمع الفلسطيني في القطاع المحاصر.
وفي سياق متصل، ذكر اتحاد لجان الصيادين أن قوات الاحتلال نفذت عملية ملاحقة لمراكب الصيادين قبالة سواحل غزة، أسفرت عن اعتقال 9 صيادين واقتيادهم إلى جهة مجهولة. وتأتي هذه الاعتداءات البحرية لتزيد من تضييق الخناق على مصادر الرزق المتبقية للسكان الذين يعانون أصلاً من انعدام الأمن الغذائي.
وعلى الرغم من سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ العاشر من أكتوبر 2025، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل شن هجمات متفرقة وعمليات مداهمة في مختلف مناطق القطاع. ويضع هذا الواقع الميداني المعقد سكان غزة بين خيارات صعبة، حيث يختلط البحث عن الأمان بمخاطر العمل بين الأنقاض وتحت نيران القصف المتقطع.





شارك برأيك
من الركام إلى الخيام: نازحو خان يونس يطوعون حديد المنازل المدمرة لمواجهة الصيف والحصار