سلط الكاتب والإعلامي مهدي حسن، محرر موقع 'زيتيو'، الضوء على التناقض الصارخ في تعامل الديمقراطيات الغربية مع ملف حرية التعبير، مؤكداً في مقال نشرته صحيفة 'الغارديان' أن هذه الحرية المضمونة نظرياً تصبح محل تفاوض أو قمع حينما ترتبط بفلسطين. وأشار حسن إلى أن المبادئ التي طالما تغنى بها الغرب، مثل حق الإساءة والاحتجاج، تلاشت أمام واقع الحرب في غزة.
واستذكر الكاتب كيف دافعت النخب الغربية بشراسة عن رواية 'آيات شيطانية' لسلمان رشدي ورسوم 'تشارلي إيبدو' المسيئة، معتبرين ذلك جوهر القيم الليبرالية. إلا أن هؤلاء السياسيين أنفسهم، الذين نصبوا أنفسهم حماة لإرث فولتير وأورويل، تحولوا إلى خصوم شرسين لأي صوت ينتقد السياسات الإسرائيلية أو يناصر الحقوق الفلسطينية.
في بريطانيا، رصد المقال تحولات خطيرة تمثلت في حظر الحكومة لجماعة 'بالستاين أكشن' وتصنيفها كمنظمة إرهابية، وهو قرار حظي بدعم واسع من 385 نائباً في البرلمان. هذا الإجراء فتح الباب أمام اعتقالات طالت رجال دين وكبار سن وذوي إعاقة، لم تكن جريمتهم سوى حمل لافتات تندد بما وصفوه بالإبادة الجماعية التي ترعاها المملكة المتحدة.
ولم تتوقف الإجراءات البريطانية عند الداخل، بل امتدت لتشمل منع شخصيات إعلامية أمريكية بارزة مثل جنك أويغور وحسن بايكر من دخول أراضي المملكة. وبررت وزارة الداخلية هذا المنع بعبارات مبهمة تتعلق بـ 'المصلحة العامة'، وسط تقارير تشير إلى مخاوف من تأجيج ما يوصف بمعاداة السامية بسبب مواقفهم السياسية.
ويرى حسن أن هذه الرسائل واضحة ولا لبس فيها، حيث ترحب المؤسسة البريطانية بقضايا سياسية معينة بينما تخشى قضايا أخرى بشدة. وأكد أن الدفاع عن حرية التعبير يجب أن يكون مبدئياً، خاصة عندما يكون التعبير مثيراً للجدل، ولا يمكن اختزاله في حماية الآراء التي نتفق معها مسبقاً فقط.
أما في الولايات المتحدة، فوصف الكاتب الوضع بأنه 'أكثر إثارة للقلق'، حيث تتعرض الأصوات المؤيدة لفلسطين، لا سيما الطلاب الأجانب، لهجمات تعد الأكبر في التاريخ الأمريكي الحديث. واستشهد بتنديد قاضٍ يميني عينه رونالد ريغان، وصف قمع المتظاهرين بأنه هجوم سافر على التعديل الأول للدستور تحت غطاء تعريفات فضفاضة.
وتطرق المقال إلى حالات محددة لطلاب مثل محمود خليل وروميسا أوزتورك، الذين واجهوا تحقيقات واحتجازات بسبب آرائهم السياسية وليس لممارستهم العنف. فجريمة أوزتورك، على سبيل المثال، كانت المشاركة في كتابة مقال رأي يدعو جامعتها لسحب استثماراتها من الشركات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، وهو ما اعتبرته السلطات تجاوزاً.
المفارقة الكبرى في عصرنا هي أن السياسيين الذين نصبوا أنفسهم حماة لحرية التعبير، أصبحوا من أشد أعدائها حماسة عندما يثار موضوع واحد: فلسطين.
الاستهداف لم يقتصر على غير المواطنين، بل طال مواطنين أمريكيين بالولادة مثل حسن بايكر، الذي وصفه النائب الجمهوري راندي فاين بـ 'الإرهابي' وطالب بمنعه من دخول بلاده. وتتزامن هذه التصريحات مع تحركات مكثفة في الكونغرس لتمرير قرارات تهدف إلى قمع أي انتقاد موجه لإسرائيل في الفضاء العام.
وعلى مستوى الولايات الأمريكية، تنتشر قوانين تجرم مقاطعة الاحتلال بسرعة كبيرة، بينما تتعرض الجامعات لضغوط هائلة من المانحين وجماعات الضغط لمعاقبة المتظاهرين. هذه الضغوط أدت إلى تدمير مسيرات مهنية لأكاديميين وصحفيين، وإلغاء فعاليات ثقافية وسياسية لمجرد أنها تتبنى السردية الفلسطينية.
وتساءل مهدي حسن عن كيفية تبرير منح حصانة فريدة لدولة واحدة من النقد في نظام ديمقراطي، مشيراً إلى أن إسرائيل باتت تحتل مكانة محمية بشكل غريب. فالمطالبات الروتينية مثل 'لا تقصفوا المستشفيات' أو 'لا تقتلوا الأطفال' يتم إعادة تصنيفها بسخرية على أنها تعصب أو معاداة للسامية.
واعتبر الكاتب أن هذا النهج يمثل هجوماً صريحاً على الديمقراطية الليبرالية ذاتها، لأن المجتمع الذي يعجز عن مناقشة سياسات حكومته بصدق لا يمكنه حكم نفسه. وحذر من أن القيود التي تفرض اليوم على فئة معينة بسبب موقفها من فلسطين، ستطبق حتماً على فئات وقضايا أخرى في المستقبل القريب.
ورد حسن على الليبراليين الذين يطالبون اليسار بالتوقف عن الانشغال بالحروب الخارجية والتركيز على الداخل، مؤكداً أن معارضة تدمير غزة لا تنفصل عن الدفاع عن الحريات الديمقراطية. فالتواطؤ في جرائم الحرب في الخارج يمهد الطريق لنمو الفاشية والاستبداد في الداخل، وهو خطر يهدد الجميع.
وأشار المقال إلى أن السلطات في بريطانيا وأمريكا لجأت إلى القمع بعد أن أدركت عجزها عن كسب النقاش العام حول فلسطين، خاصة مع تحول الرأي العام الشعبي. فبدلاً من مواجهة الحجج بالحجج، اختار المؤيدون لإسرائيل في مراكز القوة منع حدوث النقاش من الأساس عبر أدوات الرقابة والترهيب.
وختم حسن مقاله بالتأكيد على أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت حرية التعبير مستهدفة، بل ما إذا كان المواطنون سيقبلون بتآكل حريات ناضلت من أجلها أجيال. وحذر من منح الحكومات سلطة تحديد الآراء المقبولة، لأن هذه السلطة لن تتوقف عند حدود القضية الفلسطينية بل ستتغول على كافة الحقوق المدنية.





شارك برأيك
مهدي حسن: حرية التعبير في الغرب تسقط عند عتبة فلسطين