تخوض قرية النبي صموئيل، الواقعة شمال غرب مدينة القدس المحتلة، صراعاً وجودياً مريراً يتجاوز حدود الأرض ليصل إلى عمق الهوية الفلسطينية. فبعد أن كانت القرية حلقة وصل إستراتيجية بين القدس ورام الله، حولتها إجراءات الاحتلال إلى جيب معزول يقطنه نحو 400 فلسطيني يعيشون تحت حصار مشدد وقيود عسكرية خانقة.
وفي أحدث فصول هذا الاستهداف، أصدرت سلطات الاحتلال قراراً بمصادرة نحو 110 دونمات من أراضي القرية وبلدة بيت إكسا المجاورة، مستهدفة بشكل مباشر محيط مسجد النبي صموئيل الأثري. وتشمل هذه المصادرات أراضٍ وقفية ومقامات تاريخية، مما يثير مخاوف جدية من تغيير المشهد الجغرافي والديموغرافي للمنطقة بذريعة التطوير السياحي.
وأفادت مصادر محلية بأن الاحتلال يسعى من خلال هذه الخطوة إلى إحكام السيطرة على المسجد الذي تم تحويل طابقه السفلي سابقاً إلى كنيس يهودي. وتأتي هذه التحركات في سياق سياسة ممنهجة للاستيلاء على المواقع الأثرية الفلسطينية، واستبدال الرواية التاريخية الإسلامية برواية استيطانية تفرض واقعاً جديداً بقوة السلاح.
من جانبه، حذر مجلس قروي النبي صموئيل من أن الاحتلال منح الأهالي مهلة قصيرة للاعتراض على قرارات المصادرة أمام المحاكم الإسرائيلية، وهي إجراءات تُعتبر صورية في ظل غياب العدالة. وأوضح المجلس أن المخطط يهدف لتحويل المنطقة إلى مرفق سياحي يضم فنادق ومطاعم تخدم المستوطنين، مما يكرس التهويد الدائم للمحيط.
وتعود جذور المعاناة في القرية إلى عام 1971، حين تعرض السكان لعمليات تهجير قسري من محيط المسجد إلى الجهة الشرقية، لتبدأ بعدها سلسلة من التضييقات. وقد تقلصت مساحة أراضي القرية من 4500 دونم إلى نحو 2261 دونماً فقط نتيجة التوسع الاستيطاني وبناء جدار الفصل العنصري الذي مزق أوصال المنطقة.
وعلى الصعيد الميداني، يعيش سكان النبي صموئيل في ما يشبه 'السجن المفتوح'، حيث لا يمكنهم الدخول أو الخروج إلا عبر حاجز 'الجيب' العسكري. وتفرض سلطات الاحتلال على الأهالي حيازة بطاقات ممغنطة خاصة تُصنفهم كـ 'مقيمين جدد'، وتخضع حركتهم اليومية لمزاجية الجنود المتمركزين على المداخل الوحيدة للقرية.
وأكد مواطنون من القرية أن القيود العسكرية طالت أبسط تفاصيل الحياة، بما في ذلك منع استقبال الأقارب من الدرجة الأولى أو إدخال الأجهزة الكهربائية والأثاث دون تنسيق أمني مسبق. هذا الحصار أدى إلى عزل القرية اجتماعياً واقتصادياً، وحول حياة العائلات الصامدة إلى سلسلة من التحديات اليومية الشاقة.
الاحتلال يوظف قوانين التراث والآثار كأدوات للسيطرة على المواقع الفلسطينية وإعادة تعريف هويتها وفق الرواية الإسرائيلية.
وفي سياق متصل، كشفت أعمال تنقيب سابقة أجرتها سلطات الاحتلال نفسها عن وجود آثار تعود للعصور الإسلامية والصليبية، دون العثور على أي دليل يدعم المزاعم التاريخية الإسرائيلية. ورغم ذلك، تواصل المؤسسات الاحتلالية تزييف الحقائق التاريخية لتبرير السيطرة على الموقع وتحويله إلى 'حديقة قومية' تابعة لبلدية الاحتلال.
ويرى مراقبون أن إقرار الكنيست الإسرائيلي لمشروع 'سلطة التراث في يهودا والسامرة' يمثل ضوءاً أخضر لتسريع عمليات الضم الزاحف في الضفة الغربية. هذا التوجه القانوني الجديد يمنح المؤسسات المدنية الاستيطانية صلاحيات واسعة لإدارة المواقع الأثرية الفلسطينية بعيداً عن الأطر العسكرية التقليدية، مما يسهل فرض السيادة الإسرائيلية.
وتكتسب قرية النبي صموئيل أهمية إستراتيجية فائقة لكونها تشكل 'عقدة ربط' جغرافية، والسيطرة عليها تعد جزءاً أساسياً من مشروع 'القدس الكبرى'. ويهدف هذا المشروع إلى ربط التكتلات الاستيطانية الكبرى المحيطة بالقدس، مثل 'جفعات زئيف' و'معاليه أدوميم'، لخلق تواصل جغرافي استيطاني يمزق التواصل الفلسطيني.
وأشارت مصادر حقوقية إلى أن ما يحدث في النبي صموئيل ليس معزولاً عما يجري في مواقع أخرى مثل سبسطية والحرم الإبراهيمي، حيث يتم توظيف 'قوانين الآثار' كأدوات سياسية بامتياز. وتعتبر هذه السياسات بمثابة اختبارات ميدانية لفرض واقع مشابه في المستقبل على المسجد الأقصى المبارك في قلب القدس المحتلة.
ويواجه المزارعون في القرية صعوبات بالغة في استثمار أراضيهم المتبقية، حيث يُمنعون من إقامة أي سياج أو منشأة زراعية لحماية محاصيلهم. هذا التضييق الاقتصادي يهدف بالدرجة الأولى إلى دفع السكان لترك أراضيهم طوعاً بعد أن استحال عليهم العيش الكريم في ظل إجراءات 'الإدارة المدنية' التعسفية.
إن تحويل المسجد إلى كنيس وعزل السكان خلف الأسوار والحواجز يعكس الوجه الأبشع لسياسات الفصل العنصري التي تمارسها سلطات الاحتلال في القدس. ورغم كل هذه الضغوط، يتمسك أهالي النبي صموئيل بوجودهم، معتبرين أن صمودهم في منازلهم هو خط الدفاع الأخير عن هوية المكان وتاريخه العريق.
وفي الختام، يبقى ملف النبي صموئيل شاهداً على محاولات محو الذاكرة الفلسطينية وتزوير الجغرافيا، وسط صمت دولي تجاه انتهاك المواثيق التي تحمي المواقع التراثية. وتستمر القرية في مقاومة مخططات 'الضم الصامت' التي تقودها حكومة اليمين المتطرف، سعياً للحفاظ على ما تبقى من فضاء فلسطيني في محيط المدينة المقدسة.





شارك برأيك
النبي صموئيل.. قرية مقدسية يبتلعها الاستيطان تحت غطاء 'التراث'