أقلام وأراء

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 7:13 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في مآلات الصراع اللبناني: هل يعيد التاريخ إنتاج اتفاق 17 أيار؟

تتصاعد في الآونة الأخيرة جملة من الأفكار والتساؤلات حول مآلات الصراع الضاري الذي يشهده لبنان، وتتركز النقاشات بشكل أساسي حول ما يُعرف بـ 'اليوم التالي' للحرب. يبدو المشهد الحالي في كثير من جوانبه استمراراً أو تكراراً لمراحل سابقة من تاريخ لبنان السياسي والعسكري المعقد.

ويبرز في هذا السياق الاتفاق الذي تمخضت عنه جولة المفاوضات المباشرة في وزارة الخارجية الأمريكية مطلع الشهر الجاري. يرى مراقبون أن هذا الاتفاق يحمل شبهاً كبيراً باتفاق 17 أيار لعام 1983، مما يثير مخاوف من إعادة إنتاج صيغ التبعية السياسية.

تنقسم لوحة الاتجاهات السياسية في لبنان حالياً إلى أربعة محاور أساسية، يتصدرها فريق السلطة الذي يوطد ارتباطه بواشنطن. يراهن هذا الفريق بشكل كامل على الاجتياح السياسي الأمريكي لتمكينه من الحكم وتثبيت أركان نفوذه في الدولة.

أما الفريق الثاني، فيوصف بأنه ذو تاريخ حافل في العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي والاستقواء بجيشه ونفوذه. يعول هذا الطرف على العدوان المتواصل لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، متمثلاً بنماذج سياسية سعت تاريخياً للارتباط بالمشاريع الخارجية.

ويتشكل الفريق الثالث من قوى تقليدية منخرطة في النظام الطائفي، وأبرزها ثنائي 'أمل' و'حزب الله'، إضافة إلى قوى يسارية ووطنية. هذا التحالف يمثل امتداداً للحركة الوطنية اللبنانية التي نشطت في أواسط السبعينيات لمواجهة المشاريع الانعزالية.

وفي المقابل، يبرز طرف رابع يتكون من أحزاب وشخصيات وسطية لا تشكل تياراً موحداً أو ثابتاً في مواقفها. هؤلاء يحاولون الموازنة بين الضغوط الدولية والواقع المحلي، لكنهم يفتقرون إلى رؤية استراتيجية جامعة في ظل الأزمة العاصفة.

تتمسك الأطراف الموالية للغرب بتعريف 'السيادة' وفق منظور يهدف للحفاظ على التوازنات الطائفية والمذهبية التقليدية. هذا المفهوم للسيادة يكرس امتيازات أطراف بعينها ويبقي لبنان في حالة تبعية اقتصادية وثقافية وأمنية للمنظومة الغربية.

تستدعي المرحلة الحالية مراجعة دقيقة للسياسات والمقاربات حيال الأولوية المطلقة المتمثلة في مواجهة العدوان الأمريكي والصهيوني. هذه المراجعة تشمل القوى المنخرطة في المحاصصة الطائفية وتلك التي تحمل لواء التغيير والإصلاح الجذري.

لقد خاضت القوى الوطنية واليسارية تجربة هامة في حقل المقاومة والتحرير، وأنجزت الكثير في مواجهة الاحتلال. ومع ذلك، فإن الأزمة الراهنة مرشحة للتفاقم أكثر من السابق، مما يفرض ضرورة التعامل بجدية مع اتفاق واشنطن الجديد.

إن المراجعة السياسية لا ينبغي أن تكون ترفاً فكرياً، بل هي عملية دائمة وجزء أصيل من الاستراتيجية الوطنية. الهدف من ذلك هو تحسين الأداء الشعبي والسياسي، والتخلص من الأخطاء التي تراكمت عبر عقود من الصراع الداخلي والخارجي.

تاريخ حركات التحرر يظهر أن الكفاح الشعبي ينهض عادة ضد عدو داخلي مستبد أو عدوان خارجي عاجزة السلطة عن صده. وفي الحالة اللبنانية، تبدو السلطة في كثير من الأحيان متواطئة مع المعتدي، مما يطرح مسألة السلطة كقضية مركزية.

بالنظر إلى تجربة المقاومة الوطنية 'جمول' عام 1982، نجد أنها لم تطرح الوصول للسلطة كهدف أساسي رغم وضوح مشروعها التحرري. في المقابل، انخرطت المقاومة الإسلامية في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، خاصة بعد الانسحاب السوري من لبنان.

تواجه المقاومة اليوم تحديات استثنائية، حيث يواصل الاحتلال وحشيته في الجنوب بينما يمارس الراعي الأمريكي ضغوطاً هائلة في الداخل. هذه الحرب الشاملة تهدف إلى تصفية الماضي والحاضر المقاوم للبنان والسيطرة على قراره السيادي.

المعركة الحالية ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وجودية تتطلب نقاشاً عميقاً لمواجهة المخاطر الجمة. إن الضرورة تملي اليوم قيام أوسع جبهة وطنية للتصدي للمعتدي وشركائه، وهو ما يستوجب وضع برنامج عمل وطني واضح وشامل.

دلالات

شارك برأيك

قراءة في مآلات الصراع اللبناني: هل يعيد التاريخ إنتاج اتفاق 17 أيار؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.