منوعات

الأحد 07 يونيو 2026 5:54 صباحًا - بتوقيت القدس

رحيل الشيخ محند الطيب.. مسيرة مجاهد جزائري وهب حياته لترجمة القرآن للأمازيغية

فقدت الساحة العلمية والدينية في الجزائر والوطن العربي، الشيخ سي الحاج محند الطيب بن علي، أحد أبرز علماء منطقة زواوة ومترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية. وقد رحل الفقيد عن عمر ناهز 92 عاماً، مخلفاً وراءه إرثاً معرفياً كبيراً وتاريخاً نضالياً ضد الاستعمار الفرنسي.

ولد الراحل في عام 1934 ببلدية إيفرحونن التابعة لولاية تيزي وزو، حيث بدأ رحلته مع القرآن الكريم في كُتّاب القرية. ورغم عدم إتقانه للغة العربية في طفولته، إلا أن إصراره دفعه للانتقال إلى زاوية 'تغراست' ببجاية لتعلم قواعد الصرف والنحو وفهم مقاصد الآيات التي كان يحفظها.

لم تقتصر حياة الشيخ الطيب على الجانب العلمي فحسب، بل كان مجاهداً في صفوف الثورة التحريرية الجزائرية. فبعد إغلاق معهد ابن باديس بقسنطينة، انخرط في العمل الثوري حتى اعتقلته قوات الاحتلال عام 1958 في العاصمة، حيث واجه خطر الموت المحقق.

استذكر الشيخ في شهاداته التاريخية نجاته ورفاقه من قبضة منظمة 'اليد الحمراء' الإرهابية التابعة للاستخبارات الفرنسية. وأكد أن العناية الإلهية حالت دون تصفيتهم جسدياً، وهي المنظمة التي اشتهرت باغتيال رموز حركات التحرر في المغرب العربي خلال تلك الحقبة.

عقب استقلال الجزائر عام 1962، توجه الفقيد نحو بناء الدولة عبر قطاع التربية والتعليم، حيث عمل مفتشاً في ولايتي البويرة وتيزي وزو. وبالتوازي مع عمله، واصل تحصيله الأكاديمي بجامعة الجزائر لينال شهادة البكالوريوس في الأدب العربي عام 1966.

تأثر الشيخ الطيب بكبار أدباء ومفكري عصره، حيث قرأ بعمق لطه حسين والعقاد والمنفلوطي، بالإضافة إلى علماء الجزائر مثل مبارك الميلي. وقد ساهمت هذه الثقافة الواسعة في صقل شخصيته العلمية وقدرته على الربط بين الأصالة والمعاصرة في طرحه الديني.

شغل الراحل مناصب تربوية وإدارية رفيعة، من بينها أستاذ مساعد بجامعة تيزي وزو ومفتش لأبناء الجالية الجزائرية في فرنسا لمدة أربع سنوات. كما كان له دور بارز في تأسيس المؤسسات التعليمية، ومنها اقتراحه تسمية ثانوية 'فاطمة نسومر' تخليداً للمقاومة الجزائرية الشهيرة.

بعد إحالته إلى التقاعد في عام 2000، تفرغ الشيخ لتحقيق حلمه القديم بترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغته الأم 'الأمازيغية'. واجه في بداية مشروعه صعوبات بالغة في إيجاد مقابلات دقيقة لبعض المصطلحات القرآنية، مما تطلب منه بحثاً لغوياً وتفسيرياً معمقاً.

استغرقت عملية الترجمة خمس سنوات من العمل المتواصل، اطلع خلالها الشيخ على أمهات كتب التفسير والترجمات العالمية الأخرى. وحرص في عمله على الاستعانة بلغة الشعراء الأمازيغ لضمان وصول المعاني بسلاسة إلى قلوب وعقول الناطقين بهذه اللغة.

اتخذ الشيخ الطيب قراراً بكتابة الترجمة الأمازيغية باستخدام الحروف العربية، مخالفاً بذلك التوجهات التي كانت تدعو لاستخدام الحروف اللاتينية. ورأى في هذا الخيار تعزيزاً للروابط الهوية والدينية التي تجمع بين مكونات المجتمع الجزائري وتاريخه الإسلامي.

حظي المشروع بدعم كبير من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة، حيث سافر الشيخ بنفسه للإشراف على التصحيح. واستمرت عملية المراجعة والتدقيق عامين كاملين حتى خرج المصحف المترجم إلى النور في طبعات ورقية وصوتية متميزة.

تولت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية توزيع هذه الترجمة مجاناً، لتكون مرجعاً أساسياً في الزوايا والمساجد بمنطقة القبائل. وقد سجل الشيخ الترجمة بصوته على أقراص مضغوطة، لتسهيل فهم القرآن الكريم لغير الناطقين بالعربية من كبار السن وغيرهم.

يروي المقربون من الشيخ أنه أجهش بالبكاء فرحاً فور انتهائه من ترجمة آخر آية، معتبراً ذلك أعظم إنجاز في حياته. فقد تحول من طفل يحفظ الكلمات دون فهم معناها في جامع قريته، إلى عالم متبحر يفسر الكتاب المبين بلغة أهله وعشيرته.

نعى الرئيس الجزائري والمؤسسات الدينية في البلاد الفقيد، مؤكدين أن الجزائر فقدت قامة علمية وهامة وطنية أفنت عمرها في خدمة الهوية والقرآن. وسيبقى أثره خالداً من خلال ترجمته التي جسدت قيم الوسطية والاعتدال التي نادى بها طوال مسيرته.

دلالات

شارك برأيك

رحيل الشيخ محند الطيب.. مسيرة مجاهد جزائري وهب حياته لترجمة القرآن للأمازيغية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.