تحليل

الجمعة 05 يونيو 2026 5:24 مساءً - بتوقيت القدس

الإخفاق العربي في ميزان رفيق عبد السلام: قراءة فكرية في أزمات الثورة والدولة والدين

صدر حديثاً عن دار 'الأصالة' في مدينة إسطنبول التركية، كتاب جديد للدكتور رفيق عبد السلام بعنوان 'الإخفاق العربي: في الثورة والدين والدولة'. ويأتي هذا الإصدار في توقيت حساس تظل فيه تساؤلات الربيع العربي معلقة بين قراءات ترى في ما حدث هزيمة تاريخية، وأخرى تعتبره مخاضاً طويلاً لم يكتمل بعد.

ينطلق المؤلف في أطروحته من محاولة تفكيك المعضلة العربية الحديثة عبر ثلاثة مفاتيح أساسية هي الثورة والدين والدولة، معتبراً إياها حلقات متصلة في أزمة بنيوية واحدة. ويرى عبد السلام أن 'الإخفاق' ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل هو مسار ممتد من التعثر رافق تشكل الدولة الوطنية منذ نهاية الحقبة العثمانية.

تكتسب المادة أهميتها من الخلفية المزدوجة لمؤلفها، الذي جمع بين التكوين الفلسفي الأكاديمي والخبرة السياسية العملية كوزير خارجية سابق في تونس. هذا التمازج أتاح للكتاب أن يتجاوز سرد الوقائع التاريخية نحو تقديم مقاربات فلسفية ونقدية لآليات الحكم والانتقال الديمقراطي في المنطقة العربية.

وفيما يخص الربيع العربي، يرفض الكتاب الاختزال الذي يحمل القوى الثورية وحدها مسؤولية الفشل، مؤكداً أن الثورات اصطدمت بشبكات مصالح إقليمية ودولية معقدة. ويرى أن 'الثورة المضادة' كانت مشروعاً متكاملاً مدعوماً بإمكانيات ضخمة لإجهاض أي تغيير حقيقي في موازين القوى القائمة.

ومع ذلك، لا يعفي المؤلف القوى الثورية من النقد، مشيراً إلى وقوعها في فخ 'التردد الاستراتيجي' وعدم القدرة على الحسم بين التسوية التاريخية أو استكمال المسار الثوري. هذا التذبذب جعل النخب الجديدة في منطقة رمادية أفقدتها زمام المبادرة أمام مؤسسات الدولة العميقة والتدخلات الخارجية.

أما في المسألة الدينية، فيقدم عبد السلام رؤية مغايرة للخطاب السائد، حيث يرى أن الأزمة تكمن في تغول الدولة على المؤسسات الدينية وتحويلها لأدوات شرعنة سياسية. ويقترح بدلاً من ذلك مفهوم 'الحياد الإيجابي'، حيث تضمن الدولة الحريات الدينية دون أن تتحول إلى وصي عقائدي على المجتمع.

ويشدد الكتاب على أن حماية الدين والمجتمع تتطلب بناء فضاءات مستقلة ومؤسسات وسيطة قادرة على كبح جماح السلطة السياسية وتغولها. فالدولة في النهاية هي جهاز قوة يسعى للتوسع، ولا يمكن ضبطها إلا عبر توازن مؤسسي يحمي استقلالية المجال العام.

وفي سياق التجربة الديمقراطية، يحذر المؤلف من تحويل الديمقراطية إلى 'عقيدة خلاصية' يُنتظر منها حل كافة المشكلات البنيوية والاقتصادية بشكل سحري. ويؤكد أن نجاح الديمقراطية مرهون ببيئة اجتماعية وجيوسياسية تدعم الاستقرار وتوفر حداً أدنى من التوافق الوطني.

ويشير عبد السلام إلى أن الإسلاميين الذين صعدوا للسلطة بعد عام 2011 سقطوا لأنهم تعاملوا بمنطق ديمقراطي نظري في بيئات غير ديمقراطية بالأساس. هذا الانفصام بين النظرية والواقع جعلهم غير قادرين على مواجهة الصراعات الواقعية التي تطلبت أدوات سياسية أكثر خشونة وواقعية.

وعلى صعيد الدولة العربية، يربط الكتاب بين الإخفاق التنموي وحالة التشظي السياسي التي حولت المنطقة إلى كيانات ضعيفة ومحدودة الموارد. ويرى أن التجزئة السياسية جعلت هذه الدول عاجزة عن تحقيق استقلال استراتيجي أو بناء نهضة علمية وصناعية حقيقية في ظل نظام دولي لا يعترف إلا بالقوة.

ويدعو المؤلف إلى إعادة إحياء فكرة العروبة كرابطة سياسية وحضارية ضرورية للتكامل، بعيداً عن الأيديولوجيات القومية المغلقة أو الصدام مع الهوية الإسلامية. فالعروبة في نظره هي الإطار العملي الوحيد لتجاوز حالة الضعف والتشرذم التي تعاني منها الشعوب العربية في الوقت الراهن.

كما يتطرق الكتاب إلى سؤال الحداثة، داعياً إلى التحرر من مركزية النموذج الغربي دون الانغلاق على الذات أو رفض المنجزات الإنسانية المشتركة. ويؤكد على ضرورة إعادة التفكير في الحداثة من داخل السياقات الثقافية والتاريخية الخاصة بالمجتمعات العربية والإسلامية لضمان أصالة التجربة.

وكشف المؤلف عبر منصات التواصل الاجتماعي عن رغبته السابقة في إصدار الكتاب من تونس وعرضه في معرضها الدولي، إلا أن الظروف السياسية حالت دون ذلك. وأشار إلى أن غياب شروط حرية التعبير في بلاده كان العائق الأساسي، مما يعكس التوتر القائم بين الفكر والبيئة السياسية العربية.

ختاماً، لا يقدم 'الإخفاق العربي' حلولاً جاهزة، بل يفتح الباب أمام نقاشات عميقة حول أسباب الأزمة البنيوية التي تعيشها المنطقة. ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه الكتاب هو كيفية بناء شروط النجاح المستقبلي للعرب بعيداً عن تكرار تجارب الهزائم السياسية العابرة.

دلالات

شارك برأيك

الإخفاق العربي في ميزان رفيق عبد السلام: قراءة فكرية في أزمات الثورة والدولة والدين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.