أقلام وأراء

الجمعة 26 يونيو 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

السلام لا يُبنى على الثقة وحدها — وهناك طريق لفعل ذلك مع الفلسطينيين


غرشون باسكين25 حزيران/يونيو 2026

كثيرون من الإسرائيليين الذين آمنوا بضرورة التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين لم يعودوا يثقون بهم. لكنهم، في الوقت نفسه، يدركون أن استمرار السيطرة على الفلسطينيين يشكّل خطراً على إسرائيل — أخلاقياً وسياسياً وديمغرافياً ودولياً. إنهم يعرفون أن الاحتلال غير قابل للاستمرار، لكنهم يخافون من اتخاذ خطوات نحو السلام.

إنهم يطرحون أسئلة صعبة: ماذا لو كان الفلسطينيون لا يريدون السلام حقاً؟ ماذا لو فشلت أوسلو لأن الفلسطينيين لم يكونوا صادقين في نواياهم، بل رأوا فيها وسيلة لإضعاف إسرائيل؟ وماذا لو أن كل انسحاب إسرائيلي من الأراضي، في إطار السعي إلى السلام، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الصواريخ ومزيد من الإرهاب؟

لكن الخوف لا يمكن أن يكون الأساس الوحيد لاستراتيجية وطنية. فإذا كان الجواب الإسرائيلي الوحيد على انعدام الثقة هو التمسك بالوضع القائم — السيطرة الكاملة، والجدران والحواجز، والاقتحامات العسكرية، وتوسيع المستوطنات، وحرمان الفلسطينيين من أي أفق سياسي — فلن تصبح إسرائيل أكثر أمناً. إن استمرار السيطرة على شعب آخر لا يؤدي إلا إلى تعميق انعدام الثقة وتقريب جولة العنف المقبلة.

السؤال ليس ما إذا كان على الإسرائيليين أن يمنحوا الفلسطينيين ثقة عمياء. ليس عليهم أن يفعلوا ذلك. السؤال هو ما إذا كان يمكن تصميم عملية سلام لا تقوم على الثقة العمياء. والجواب هو: نعم.

من الخطأ الاعتقاد بأن اتفاقيات السلام تُبنى على الثقة وحدها. فهي يجب أن تقوم على التزامات واضحة، ومحطات تنفيذية محددة، وتطبيق تدريجي، وضمانات أمنية، وآليات رقابة، وخطوات متفق عليها في حال انتهاك الالتزامات. السلام الحقيقي يُبنى عبر مسار يراكم الثقة تدريجياً من خلال أفعال ملموسة. الثقة ليست نقطة البداية؛ إنها النتيجة.

فشلت عملية أوسلو لأسباب كثيرة. ومن السهل جداً القول إنها فشلت فقط لأن الفلسطينيين لم يكونوا صادقين. نعم، كانت هناك انتهاكات فلسطينية خطيرة: تحريض، وإرهاب، وفساد، وفشل في بناء مؤسسات شفافة وديمقراطية. لكن كانت هناك أيضاً انتهاكات إسرائيلية خطيرة: توسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وتأخير الانسحابات المتفق عليها، وعدم إطلاق سراح أسرى كان قد تم الاتفاق على إطلاق سراحهم، وفرض قيود على الحركة، وإغلاقات اقتصادية. كل ذلك خلق وقائع على الأرض أقنعت فلسطينيين كثيرين بأن إسرائيل لا تنوي فعلاً إنهاء الاحتلال.

خلال سنوات أوسلو وُقّعت ست اتفاقيات إسرائيلية ـ فلسطينية. انتهكها الطرفان، واستخدم كل طرف انتهاكات الطرف الآخر لتبرير انتهاكاته. وكانت النتيجة فقداناً عميقاً للثقة، واقتناعاً متزايداً بأن الطرف الآخر يتصرف بسوء نية.

إحدى نقاط الضعف الكبرى في أوسلو كانت تأجيل البحث في القضايا الأهم: الحدود، والقدس، والمستوطنات، واللاجئين، والسيادة، والأمن. هذا التأجيل خلق غموضاً سمح لكل طرف بأن يتخيل نتيجة مختلفة. فقد استطاع إسرائيليون أن يعتقدوا أن الحكم الذاتي الفلسطيني يكفي، واستطاع فلسطينيون أن يعتقدوا أن الدولة مضمونة لهم، واستطاع المستوطنون أن يواصلوا البناء. كل ذلك خدم معارضي السلام في الجانبين. لذلك، فإن أي عملية سلام جديدة يجب أن تتعلم من هذه الإخفاقات.

أولاً، يجب تحديد نقطة النهاية مسبقاً من خلال إعلان واضح للهدف: دولتان، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنباً إلى جنب؛ سيادة فلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، مع تبادل أراضٍ متفق عليه؛ ترتيبات أمنية قوية؛ عدم وجود ميليشيات مسلحة خارج سلطة الدولة الفلسطينية؛ حل متفق عليه لقضية اللاجئين؛ القدس عاصمة للشعبين؛ والاعتراف بإسرائيل وتطبيع إقليمي كامل معها.

ثانياً، يجب أن يكون التنفيذ تدريجياً ومبنياً على محطات واضحة. كل مرحلة يجب أن تتضمن التزامات محددة من الطرفين، وجداول زمنية، ومعايير واضحة، وفترة فحص لمراقبة التنفيذ والتحقق منه. عندما يتم الوفاء بالالتزامات، تنتقل العملية إلى المرحلة التالية. وعندما لا يتم الوفاء بها، تتوقف. لا ينبغي أن تنهار العملية بسبب كل انتهاك، بل يجب تصحيح الانتهاكات. لكن لا يجوز لها أن تتقدم وكأن شيئاً لم يحدث.

ثالثاً، يجب إنشاء آليات رقابة وتحقق موثوقة من طرف ثالث، بدلاً من الاعتماد فقط على التقارير الفلسطينية أو الإسرائيلية. آلية موثوقة يجب أن تشمل الولايات المتحدة، ودولاً عربية مركزية، وأوروبا، وخبراء أمنيين دوليين مقبولين لدى الطرفين. ستكون مهمتهم التحقق من التنفيذ، ونشر النتائج، وحل الخلافات، وتحديد الانتهاكات، والتوصية بخطوات تصحيحية.

رابعاً، يجب أن يكون الأمن حقيقياً. على الإسرائيليين أن يعرفوا أن الدولة الفلسطينية لن تتحول إلى جبهة مسلحة إضافية. يجب أن يكون هناك نزع للسلاح الثقيل، وقيادة أمنية فلسطينية واحدة، وحظر على التنظيمات المسلحة المستقلة، وترتيبات حدودية قوية، وتعاون استخباراتي، وضمانات إقليمية. لكن الفلسطينيين أيضاً يحتاجون إلى الأمن: الحماية من عنف المستوطنين، وإنهاء الاقتحامات العسكرية التعسفية، وحرية الحركة، والتنمية الاقتصادية، وكرامة العيش تحت حكومة خاصة بهم. في واقع السلام، لا يمكن أن يكون هناك أمن لطرف وانعدام أمن للطرف الآخر. هذا ليس سلاماً، بل سيطرة.

خامساً، السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على الفصل وحده. الجدران والأسوار قد تقلل مخاطر فورية، وأحياناً تكون ضرورية، لكنها لا تصنع سلاماً. السلام يُبنى أيضاً من خلال التواصل والتعاون والاعتراف الإنساني بأن الشعب الآخر لن يختفي، ولم يُخلق ليكون عدواً إلى الأبد.

لذلك، هناك حاجة إلى تعاون اقتصادي: مناطق صناعية مشتركة، ومشاريع مشتركة في مجالي المياه والطاقة، وشراكات مهنية، وتبادل طلاب وأكاديميين، وأكبر قدر ممكن من التواصل اليومي. الإسرائيليون والفلسطينيون يحتاجون إلى أسباب عملية وملموسة كي يروا في نجاح الطرف الآخر مصلحة لهم.

وأخيراً، يجب أن يكون التعليم جزءاً مهماً من أي اتفاق سلام. الأطفال الإسرائيليون يجب أن يتعلموا أن الفلسطينيين شعب له تاريخ وصدمات، وهوية وحقوق وتطلعات وطنية مشروعة. والأطفال الفلسطينيون يجب أن يتعلموا أن لليهود والإسرائيليين أيضاً تاريخاً وصدمات، وهوية وحقوقاً وحاجة مشروعة إلى الأمن والاعتراف. على الشعبين أن يتعلما لغة الآخر. العبرية والعربية لا ينبغي أن تكونا لغتي عدو، بل لغتي فهم.

لا شيء من ذلك ساذج. السذاجة هي الاعتقاد بأنه يمكن إدارة الصراع إلى الأبد؛ وأن القوة وحدها ستجعل ملايين الفلسطينيين يقبلون بحياة بلا حرية؛ وأن الإسرائيليين يمكن أن ينعموا بالأمن بينما يعيش الفلسطينيون في اليأس.

السلام لا يتطلب حباً، ولا نسياناً، ولا ادعاءً بأن الماضي لم يحدث. إنه يتطلب خطوات قائمة على المصالح، والتزامات واضحة، والتحقق من تنفيذها، وقيادة، وشجاعة، ومسؤولية.

الإسرائيليون الذين يخافون من نوايا الفلسطينيين لا ينبغي أن يُطلب منهم أن يغمضوا أعينهم ويقفزوا إلى عملية سياسية. إنهم يحتاجون إلى عملية تُفحص فيها كل خطوة، ويتم التحقق منها، ويمكن وقفها إلى أن تُبنى الثقة فعلاً. والفلسطينيون الذين يخافون من استمرار السيطرة الإسرائيلية يحتاجون إلى الشيء نفسه: عملية ينتهي فيها الاحتلال فعلاً، وتكون سيادتهم حقيقية، وتخضع الالتزامات الإسرائيلية للرقابة بالقدر نفسه الذي تخضع له الالتزامات الفلسطينية.

لسنا بحاجة إلى سلام ساذج. نحن بحاجة إلى سلام ذكي — سلام يبدأ من انعدام الثقة، ويبني آليات للتغلب عليه، ويثبت بالأفعال أن الشعبين يمكن أن يكونا أكثر أمناً وحرية وحماية معاً مما سيكونان عليه إذا بقيا منفصلين.


دلالات

شارك برأيك

السلام لا يُبنى على الثقة وحدها — وهناك طريق لفعل ذلك مع الفلسطينيين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.