أقلام وأراء

الجمعة 05 يونيو 2026 7:26 صباحًا - بتوقيت القدس

موطن القوة الغائب: الشعب الفلسطيني بين معضلة السلطة وإمكانات المقاومة الشعبية

د. إبراهيم نعيرات

على امتداد عقود الصراع الطويلة، انشغل الفلسطينيون بسؤال القيادة أكثر مما انشغلوا بسؤال القوة. تعاقبت القيادات، وصعدت تنظيمات وتراجعت أخرى، وتبدلت البرامج والشعارات، لكن الواقع ظل يفرض السؤال ذاته: أين تكمن القوة الفلسطينية الحقيقية؟

كثيرًا ما يجري اختزال الأزمة الفلسطينية في أزمة قيادة أو أزمة تنظيمات سياسية، وكأن تغيير الأشخاص أو تبديل المواقع كفيل بإحداث تحول جوهري في الواقع. غير أن مراجعة هادئة للتجربة الفلسطينية تقود إلى استنتاج مختلف؛ فالقوة الحقيقية لم تكن يومًا حكرًا على قائد أو فصيل أو مؤسسة، بل كانت كامنة في المجتمع الفلسطيني نفسه، في قدرته الاستثنائية على الصمود والبقاء والمحافظة على هويته الوطنية رغم كل التحولات والضغوط.

فالاحتلالات الطويلة لا تواجه الجيوش فقط، بل تواجه الشعوب. وقد تستطيع قوة عسكرية أن تنتصر في معركة أو تفرض سيطرتها على الأرض، لكنها تواجه معضلة أكثر تعقيدًا عندما تجد نفسها أمام شعب يرفض الاستسلام أو الذوبان أو التخلي عن روايته الوطنية. لذلك لم يكن سر استمرار القضية الفلسطينية طوال هذه العقود هو التفوق العسكري أو الاقتصادي، بل قدرة المجتمع الفلسطيني على إعادة إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل، وعلى الحفاظ على حضوره الوطني رغم كل محاولات الإضعاف والاستنزاف.

من هنا تبدو القوة الفلسطينية الحقيقية كامنة في الإنسان الفلسطيني ذاته؛ في الطالب الذي يتمسك بحقه في التعليم، وفي المزارع الذي يحافظ على أرضه، وفي العامل الذي يواصل البحث عن حياة كريمة، وفي الأسرة التي تنقل الذاكرة الوطنية إلى أبنائها، كما في ملايين الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه الذين حافظوا على انتمائهم وهويتهم رغم تغير الأمكنة والظروف.

غير أن امتلاك القوة شيء، والقدرة على توظيفها وتحويلها إلى فعل سياسي مؤثر شيء آخر. وهنا تبدأ المعضلة الفلسطينية الأكثر عمقًا. فالشعب يمتلك طاقة هائلة، لكن هذه الطاقة لا تتحول بالضرورة إلى قوة منظمة قادرة على فرض حضورها في المعادلة السياسية. وبين القوة الكامنة والفعل المؤثر تقف مجموعة من العوائق البنيوية التي تراكمت عبر الزمن.

ولعل أبرز هذه العوائق يظهر في العلاقة المعقدة بين المجتمع الفلسطيني والسلطة الفلسطينية. فمنذ تأسيس السلطة نشأت بنية سياسية وإدارية صُممت أساسًا ضمن تصور يقوم على بناء مؤسسات الدولة وإدارتها. ومع مرور الوقت تشكلت منظومة كاملة من القوانين والأجهزة والوظائف والمصالح والثقافة السياسية التي تستمد منطقها من فكرة الدولة أكثر مما تستمده من منطق حركات التحرر الوطني.

هنا تبرز مفارقة تستحق التأمل. فمن جهة، يدعو الخطاب الرسمي مرارًا إلى المقاومة الشعبية باعتبارها خيارًا استراتيجيًا في مواجهة الاحتلال. ومن جهة أخرى، تبدو البنية السياسية القائمة عاجزة عن إنتاج أو قيادة حالة شعبية واسعة ومستدامة. وليس السبب بالضرورة غياب الإرادة، بل لأن منطق السلطة ومنطق المقاومة الشعبية ينطلقان من أولويات مختلفة.

فالسلطة بطبيعتها تبحث عن الاستقرار والإدارة والحفاظ على المؤسسات والخدمات والنظام العام، بينما تعتمد المقاومة الشعبية على المبادرة المجتمعية والحشد الجماهيري والاحتكاك السياسي المباشر مع واقع الاحتلال. الأولى تخشى الفوضى وما قد يترتب عليها من أثمان سياسية واقتصادية وأمنية، بينما ترى الثانية أن الجمود نفسه يحمل كلفة وطنية متزايدة.

ولهذا السبب قد لا تكون المشكلة في غياب الدعوات إلى المقاومة الشعبية، بل في وجود فجوة بنيوية بين الجهة التي تطلق الدعوة والبيئة المطلوبة لإنجاحها. فالمقاومة الشعبية ليست قرارًا إداريًا يمكن إصداره من أعلى، بل عملية اجتماعية وسياسية تنمو عندما يشعر الناس أنهم شركاء في القرار لا مجرد متلقين له.

ومع مرور الوقت اتسعت المسافة بين المجتمع ومؤسساته السياسية. فقد تراجعت الأطر الجماهيرية التقليدية، وضعفت المشاركة العامة، وتراكمت مشاعر الإحباط لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين الذين لم يعودوا يرون تأثيرًا مباشرًا لمشاركتهم السياسية على مجريات الأحداث. وفي ظل هذا الواقع أصبح من الصعب تعبئة المجتمع حول مشاريع جماعية طويلة الأمد، مهما كانت عدالتها أو ضرورتها.

من هنا يبرز السؤال الذي يزداد حضورًا في النقاش الفلسطيني: هل أصبح وجود السلطة عائقًا بنيويًا أمام المبادرات الشعبية؟

ربما لا تكون الإجابة بهذه البساطة. فالمشكلة ليست في وجود السلطة بحد ذاته، وإنما في طبيعة العلاقة التي نشأت بينها وبين المجتمع. عندما تتحول المؤسسات إلى فضاء مغلق وتضعف فيها آليات المشاركة والتجديد والمساءلة، فإنها تفقد تدريجيًا قدرتها على استيعاب الطاقة الشعبية. وعندما يشعر المواطن أن دوره يقتصر على انتظار القرارات لا المشاركة في صنعها، تتراجع المبادرة الفردية والجماعية معًا.

وفي المقابل، فإن اختزال الأزمة في السلطة وحدها يتجاهل عوامل أخرى لا تقل أهمية؛ كالانقسام السياسي، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع الثقة بالعمل العام، واستنزاف المجتمع تحت وطأة الأعباء اليومية. ومع ذلك تبقى العلاقة بين السلطة والشعب واحدة من أهم العقد التي تعيق تحويل القوة المجتمعية الكامنة إلى قوة سياسية منظمة.

لقد أثبت التاريخ الفلسطيني مرارًا أن المجتمع يمتلك قدرة استثنائية على الفعل عندما يشعر بأنه صاحب المشروع الوطني لا مجرد جمهوره. ففي اللحظات التي التقت فيها الإرادة الشعبية مع الرؤية الوطنية الجامعة، استطاع الفلسطينيون إنتاج أشكال من العمل الجماعي تركت أثرًا عميقًا في مسار القضية، بينما حين اتسعت الفجوة بين القيادة والناس، تراجعت المبادرات وحل الإحباط محل الفعل.

ويكتسب هذا التحليل مزيدًا من الوضوح عند النظر إلى الواقع الميداني الراهن، حيث يتسارع التوسع الاستيطاني بشكل غير مسبوق، في ظل عجز واضح عن إنتاج مبادرات فلسطينية قادرة على كبحه أو حتى خلق كلفة سياسية أو ميدانية جدية عليه. هذا المشهد لا يُقرأ فقط بوصفه تطورًا أحاديًا من طرف القوة القائمة بالاحتلال، بل أيضًا بوصفه انعكاسًا لحالة الشلل والتشتت في الفعل الجماعي الفلسطيني، وغياب القدرة على تحويل الغضب الشعبي إلى فعل منظم ومؤثر.

ومن هذا المنظور، يبدو أن الطرف الآخر لا يكتفي باستثمار ميزان القوة المادي، بل يستفيد أيضًا من حالة الانقسام وضيق الأفق وغياب المبادرة، بما يتيح له توسيع وقائعه على الأرض بأقل قدر من الكلفة أو الردع. وهنا تصبح الفجوة بين القوة الكامنة في المجتمع وبين عجز الأطر السياسية عن تفعيلها أكثر وضوحًا، وتغدو واحدة من أهم عناصر تفسير المشهد القائم، حيث تتقاطع قوة الفعل الاستيطاني مع ضعف الفعل المقابل، في لحظة يختلط فيها الإرباك السياسي بانسداد الأفق الاستراتيجي.

لذلك فإن السؤال الفلسطيني المركزي اليوم لا يتعلق فقط بمن يقود، ولا بأي تنظيم يمتلك النفوذ الأكبر، بل بكيفية إعادة اكتشاف مصدر القوة الحقيقي الكامن في المجتمع نفسه. فالقضية ليست أزمة وجوه أو أسماء بقدر ما هي أزمة علاقة بين القوة الأصلية ومؤسساتها السياسية.

إن الشعب الفلسطيني لا يزال يمثل أكبر عناصر القوة في معادلة الصراع، فهو مصدر الصمود والاستمرار والشرعية والقدرة على رفع كلفة الاحتلال واستنزاف مشروعه على المدى الطويل. لكن هذه القوة ستظل كامنة ما لم تجد إطارًا سياسيًا ومؤسساتيًا قادرًا على استيعابها وتنظيمها وتحويلها إلى مشروع وطني جامع.

غير أن إدراك هذا الموطن لا يكفي ما لم يقترن بإعادة بناء الآليات القادرة على تحويله إلى فعل منظم ومستدام. فالمعضلة الفلسطينية اليوم لا تبدو في غياب الإرادة الشعبية بقدر ما تكمن في الفجوة المتسعة بين المجتمع والأطر السياسية التي يفترض بها تمثيله وتنظيم طاقاته. ولذلك فإن السؤال لم يعد كيف يمكن حشد الناس، بل كيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والسياسة على أسس جديدة.

ويبدأ ذلك بتحرير المبادرات المجتمعية من أسر الاستقطاب الفصائلي، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوسيطة من نقابات واتحادات طلابية وجمعيات تعاونية ولجان محلية قادرة على تمثيل المصالح العامة بعيدًا عن الانقسامات السياسية. كما يتطلب إعادة تعريف المقاومة الشعبية ذاتها، لا باعتبارها أحداثًا موسمية أو لحظات احتجاج عابرة، بل بوصفها ثقافة مجتمعية يومية تتجسد في التعليم والعمل التطوعي وحماية الأرض وتعزيز الإنتاج المحلي وبناء شبكات التكافل والصمود.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن لأي مشروع جماهيري أن ينهض دون استعادة الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم، وهي ثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالشفافية والمساءلة وتوسيع المشاركة وتجديد النخب وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للمساهمة في صناعة القرار. وربما تقتضي هذه المهمة تجاوز مركزية العمل الوطني عبر تمكين المبادرات المحلية في المدن والقرى والمخيمات، وبناء شبكات تنسيق مجتمعية قادرة على الفعل من القاعدة إلى القمة بدل انتظار القرار من المركز السياسي وحده.

أما التحدي الأكثر حساسية فيتمثل في إعادة تعريف دور السلطة نفسها. فليس مطلوبًا منها أن تحتكر الفعل الوطني أو أن تقود كل أشكال الحراك الشعبي، بل أن تتحول من موقع المتحكم إلى موقع المُمكِّن، ومن سلطة تدير المجتمع إلى إطار يفسح المجال أمام المجتمع لتنظيم نفسه والتعبير عن مصالحه ومبادراته.

وهنا يبرز السؤال الأعمق الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة: هل يسعى الفلسطينيون إلى بناء حركة شعبية مستقلة عن السلطة أم متكاملة معها؟ ولعل المخرج لا يكمن في أي من الخيارين بصورتهما المطلقة، بل في صيغة ثالثة تقوم على مجتمع قوي يمتلك مؤسساته المستقلة ومجالاته العامة الحرة، وسلطة تعترف بدور المجتمع كشريك لا كتابع.

عندها فقط يمكن للقوة الكامنة في الشعب الفلسطيني أن تتحول من طاقة صمود تاريخية إلى قوة سياسية واجتماعية منظمة، قادرة على تجديد المشروع الوطني وإعادة التوازن إلى معادلة الصراع.



دلالات

شارك برأيك

موطن القوة الغائب: الشعب الفلسطيني بين معضلة السلطة وإمكانات المقاومة الشعبية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.