أسدلت الجزائر الستار على فعاليات شهر التراث الثقافي في أجواء احتفالية واسعة تزامنت مع اليوم العالمي للمتاحف، حيث شهدت الفعاليات تأكيداً رسمياً على المضي قدماً في حماية الموروث الحضاري والطبيعي. وتهدف الرؤية الجديدة للقطاع الثقافي إلى تثمين هذا الإرث وتحويله من مجرد ذاكرة تاريخية إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف الولايات.
وأشرفت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، على المراسم الختامية التي احتضنها قصر الثقافة 'مفدي زكريا' والمتحف الوطني العمومي للفنون الجميلة بالعاصمة. وحضر الحفل لفيف من الشخصيات الثقافية والأكاديمية، بالإضافة إلى باحثين متخصصين في الأنثروبولوجيا والآثار، مما عكس الاهتمام الرسمي والنخبوي بصون الهوية الوطنية.
وأكدت الوزيرة في كلمتها أن هذا العام مثل منعطفاً هاماً لتجسيد أهداف قانون حماية التراث الثقافي، لا سيما في المناطق الجنوبية التي تزخر بكنوز إنسانية فريدة. وأشارت إلى أن الدولة تعمل على الحفاظ على المواقع الأثرية في بيئاتها الأصلية لضمان استدامتها للأجيال القادمة كجزء لا يتجزأ من السيادة الثقافية.
وفي سياق تعزيز البنية التحتية الثقافية، كشفت بن دودة عن قرب تدشين الحظيرة الثقافية السادسة تحت مسمى 'حظيرة الساورة'، لتنضم إلى شبكة الحظائر الكبرى في البلاد. وتعد هذه الحظائر بمثابة متاحف مفتوحة على الهواء الطلق، حيث تستقطب آلاف الباحثين والسياح سنوياً بفضل تنوعها البيئي والأثري النادر.
كما أعلنت الوزارة عن تحضيرات لإطلاق مواعيد استراتيجية في الأشهر المقبلة تهدف إلى صياغة رؤية استثمارية جديدة في قطاع التراث. وتسعى هذه المبادرة إلى تحويل المواقع التاريخية إلى موارد اقتصادية تساهم في خلق فرص عمل وتنشيط السياحة المحلية، مع الالتزام الصارم بمعايير الحماية والصون الدولية.
وشهد قصر الثقافة تنظيماً لمعرض خاص بالحظائر الثقافية الجزائرية، حظي بزيارة وفد رسمي من جمهورية تشاد يتقدمه وزير التنمية السياحية والثقافة والحرف اليدوية. واطلع الوفد على التنوع البيئي والجغرافي الذي تمتاز به الصحراء الجزائرية، وما تحتويه من نقوش ورسومات صخرية تعود لآلاف السنين.
وتخلل اليوم الإعلامي المخصص للحظائر سلسلة من المحاضرات الأكاديمية التي ناقشت دور هذه الفضاءات في تعزيز التربية الثقافية وترسيخ الوعي بالهوية. وركز الباحثون على أهمية الربط بين التراث المادي واللامادي لتحقيق تنمية مستدامة تحافظ على التوازن البيئي في المناطق المحمية.
شهر التراث شكل محطة مهمة لتجديد الالتزام الوطني بحماية الذاكرة الجماعية وصون الموروث الثقافي والطبيعي للأجيال القادمة.
وفي الشق الفني، احتضن المتحف الوطني للفنون الجميلة فعاليات اليوم العالمي للمتاحف، مسلطاً الضوء على الدور التربوي للمؤسسات المتحفية. واعتبر المشاركون أن المتاحف ليست مجرد مخازن للقطع الأثرية، بل هي مراكز إشعاع فكري تساهم في بناء جسور الحوار بين الماضي والحاضر.
وزارت الوزيرة معرضاً فنياً متخصصاً في التيارات الجديدة لفنون الزخرفة والمنمنمات والخط العربي، حيث استعرض الفنانون تجارب معاصرة تستلهم التراث البصري. ويهدف المعرض إلى إبراز قدرة الفنون التقليدية على التجدد والاندماج في القوالب الفنية الحديثة دون فقدان أصالتها.
كما توقفت الوزيرة عند معرض الفنان العالمي رشيد قريشي 'مسارات الارتقاء'، الذي يعد واحداً من أبرز التجارب التشكيلية المعاصرة. ويمزج عمل قريشي بين الرموز الروحية والحرفية العالية، مما يقدم صورة مشرفة للفن الجزائري في المحافل الدولية ويعزز من القوة الناعمة للبلاد.
واختتمت الفعاليات بحفل تكريمي بهيج استهدف نخبة من الباحثين والمهندسين والأكاديميين الذين أفنوا حياتهم في خدمة التراث الوطني. واعتبرت الوزارة هذا التكريم بمثابة رسالة تقدير لـ 'حراس الذاكرة' الذين ساهموا في توثيق وحفظ المعالم التاريخية من الاندثار.
وشدد المنظمون على أن حماية الهوية الجزائرية تتطلب تكاتف الجهود بين مختلف القطاعات الحكومية والمجتمع المدني. وأكدوا أن شهر التراث ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو برنامج عمل مستمر يهدف إلى تعزيز حضور الثقافة الجزائرية في الفضاءات الدولية.
ويعتبر شهر التراث في الجزائر من أهم المواعيد السنوية التي تفتح نقاشاً واسعاً حول سبل مواجهة التحديات التكنولوجية والاقتصادية التي تواجه المواقع الأثرية. ويسعى القطاع إلى دمج التقنيات الحديثة في عمليات الترميم والتوثيق الرقمي لضمان دقة الحفظ وسهولة الوصول للمعلومات.
وفي الختام، تجلى من خلال هذه الفعاليات أن الجزائر تضع تراثها في قلب استراتيجيتها الوطنية للنهوض بالقطاع السياحي. وتطمح الحكومة من خلال هذه الخطوات إلى جعل الثقافة محركاً أساسياً للنمو، بما يتماشى مع التوجهات العالمية في تثمين الممتلكات الثقافية كأصول اقتصادية مستدامة.





شارك برأيك
الجزائر تختتم شهر التراث برؤية استراتيجية لتحويل الإرث الثقافي إلى مورد اقتصادي