عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 2:16 مساءً - بتوقيت القدس

بنكيران خارج السباق البرلماني: هل انتهى زمن الزعيم الكاريزمي في المغرب؟

أثار قرار عدم ترشح عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، للانتخابات البرلمانية المقبلة، موجة من التساؤلات في الأوساط السياسية المغربية. ويأتي هذا التوجه في وقت بدأ فيه الحزب باستعادة جزء من بريقه في استطلاعات الرأي العام، بعد النكسة الانتخابية القاسية التي تعرض لها في عام 2021.

المفارقة تكمن في أن بنكيران، الذي ظل لعقود الواجهة الأبرز والماكينة الانتخابية الأقوى للحزب، يختار الانسحاب من المنافسة المباشرة على المقاعد. هذا القرار لا يعني مغادرته للعمل السياسي بالضرورة، بل يعكس تحولاً في شكل ممارسته للسلطة وتأثيره داخل المشهد العام.

تشير مصادر مقربة من الحزب إلى أن قرار الأمانة العامة بعدم ترشيح بنكيران في معقله التاريخي بدائرة سلا-المدينة، يحمل أبعاداً تنظيمية وصحية. فالرجل الذي قاد الحزب إلى ذروة صعوده في عام 2011، يبدو اليوم أكثر ميلاً للعب دور 'الشيخ السياسي' بدلاً من 'رجل الدولة' الباحث عن المناصب.

يمثل بنكيران حالة استثنائية في تاريخ الإسلام السياسي المغربي، حيث استطاع الموازنة بين الخطاب الشعبي القريب من الجماهير وبين البراغماتية في التعامل مع مؤسسات الدولة. وقد نجح خلال قيادته للحكومة في صياغة معادلة للتعايش بين الإصلاح والاستقرار تحت مظلة الملكية.

إن انسحاب بنكيران من السباق البرلماني يبعث برسائل تتجاوز الشأن الحزبي الداخلي، لتطال تحولات الإسلام السياسي في المنطقة العربية ككل. فبينما واجهت حركات مشابهة في دول أخرى أزمات وجودية، اختار العدالة والتنمية المغربي التكيف والعودة إلى صفوف المعارضة بمرونة.

يرى محللون أن بنكيران يدرك تماماً أن قيمته الرمزية قد تتأثر إذا انخرط في صراعات انتخابية تقنية حول الأرقام والمقاعد في ظل مناخ سياسي متغير. لذا، فإن التراجع خطوة إلى الوراء قد يكون استراتيجية للحفاظ على السردية التاريخية التي بناها طوال مسيرته.

يعيش المشهد الحزبي المغربي حالياً مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تتسم بتراجع حضور الزعامات الكاريزمية التقليدية داخل المؤسسة التشريعية. وتفسح هذه التحولات المجال لبروز وجوه جديدة توصف بأنها أكثر تكنوقراطية وأقل صخباً في خطابها السياسي.

هذا التحول نحو 'تشبيب' الحياة السياسية يطرح تساؤلات جدية حول مدى تمثيل البرلمان القادم للثقل السياسي الحقيقي في البلاد. ويخشى البعض من أن يؤدي غياب الرموز التاريخية إلى إضعاف المؤسسة التشريعية في مواجهة التحديات الاستراتيجية الكبرى التي تمر بها المملكة.

بالتزامن مع التحولات المرتبطة بملف الصحراء واحتمالات التعديل الدستوري، تبدو السياسة في المغرب متجهة نحو إدارة التوازنات الكبرى للدولة. وفي هذا السياق، تصبح الأحزاب السياسية مطالبة بتقديم أدوار تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي التقليدي.

البعد الإنساني في قرار بنكيران لا يمكن إغفاله، فالرجل الذي اختبر السلطة والعزل والعودة، يبدو اليوم أكثر تصالحاً مع فكرة تداول المواقع. إنها لحظة نضج سياسي تدرك متى يكون الانسحاب الجزئي أكثر قوة وتأثيراً من الاستمرار في واجهة المناصب.

رغم غيابه عن اللوائح الانتخابية في سبتمبر المقبل، سيظل بنكيران حاضراً بقوة كصوت مؤثر داخل الحياة العامة. فبعض السياسيين تتحول تجاربهم إلى رموز تتجاوز المقاعد البرلمانية، وهو ما يسعى إليه بنكيران في هذه المرحلة من حياته.

لطالما أكد بنكيران أن استقرار المغرب ووحدة مؤسساته يمثلان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في أي تدافع سياسي. وقد حرص في أصعب لحظات الخلاف على إبقاء خيوط التواصل ممدودة مع الدولة، معتبراً العلاقة مع الملكية ركيزة أساسية للاستقرار.

خروج بنكيران من البرلمان لا يمثل هزيمة شخصية، بل هو تحول هادئ لسياسي عرف كيف يختلف دون أن يكسر قواعد اللعبة. لقد استطاع الدفاع عن معادلة دقيقة تجمع بين المطالبة بالتغيير وبين الحفاظ على استمرارية الدولة ومؤسساتها السيادية.

في نهاية المطاف، يترك بنكيران وراءه إرثاً سياسياً مثيراً للجدل لكنه غني بالدروس حول كيفية الإصلاح من الداخل. وسيبقى اسمه مرتبطاً بمرحلة استثنائية حاول فيها جعل التوافق الوطني هو المحرك الأساسي لإدارة شؤون البلاد وتجاوز العواصف الإقليمية.

دلالات

شارك برأيك

بنكيران خارج السباق البرلماني: هل انتهى زمن الزعيم الكاريزمي في المغرب؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.