فلسطين

الإثنين 25 مايو 2026 9:03 مساءً - بتوقيت القدس

نور من قلب الحصار: غزة تستأنف عمليات زراعة القرنية بجهود ذاتية وتكافل شعبي

وسط ركام الدمار والظروف القاسية التي يفرضها الحصار على قطاع غزة، انبثق أمل جديد للمئات ممن فقدوا أبصارهم، حيث أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن استئناف البرنامج الوطني لزراعة القرنية. وقد احتضن مستشفى العيون التخصصي في مدينة غزة هذه العمليات النوعية بعد توقف قسري استمر لثلاث سنوات نتيجة الحروب المتلاحقة وانهيار المنظومة الصحية. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس يعاني فيه القطاع من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.

داخل غرف العمليات التي لم تسلم معداتها من آثار الحرب، قاد استشاري طب وجراحة العيون، الدكتور حسام داود، أولى العمليات الجراحية التي تكللت بالنجاح الباهر. وأفادت مصادر طبية بأن الطواقم المحلية تمكنت من التغلب على جسامة العقبات الميدانية وشح الأدوات الجراحية اللازمة لإتمام هذا المسار الطبي المعقد. ويمثل هذا النجاح تحدياً صارخاً لسياسة التعطيل التي يواجهها القطاع الصحي منذ أشهر طويلة.

أكد الدكتور حسام داود أن هذه الحالة تعد الانطلاقة الفعلية للحملة الوطنية لزراعة القرنية، مشيراً إلى أن تجهيز الأدوات الجراحية وصيانتها كان التحدي الأبرز أمام الفريق. وأوضح أن الإصرار على استعادة هذا البرنامج يهدف إلى تقليص قوائم الانتظار الطويلة للمرضى الذين يعيشون في عتمة شبه كاملة. وتعتمد هذه العمليات بشكل أساسي على الخبرات المحلية التي صقلتها سنوات الأزمات المتتالية.

المريضة بيروت النخالة، التي كانت أولى المستفيدات من هذا البرنامج، وصفت مشاعرها عقب استعادة بصرها بأنها تفوق الوصف ولا يمكن اختزالها في كلمات. وقالت النخالة إنها لم تكن تتوقع إجراء مثل هذه العملية المعقدة داخل غزة في ظل الظروف الراهنة، خاصة بعد توقفها التام طوال أشهر النزاع. وأضافت أن عودة هذه العمليات تعيد الحياة والألوان لآلاف المرضى الذين فقدوا الأمل في العلاج بالخارج.

يرتكز هذا الإنجاز الطبي في جوهره على قيم التكافل الإنساني التي تميز المجتمع الفلسطيني في غزة، حيث جاءت القرنيات المزروعة كمنحة من عائلة الشهيد محمود أبو سيسي. وقررت العائلة التبرع بقرنيتي ابنها لصالح وزارة الصحة، في خطوة نبيلة منحت مريضين فرصة جديدة لرؤية العالم من جديد. ويعكس هذا الموقف مدى تلاحم السكان في مواجهة سياسات الموت والدمار التي تحيط بهم من كل جانب.

والد الشهيد أبو سيسي عبر عن موقفه الإنساني بالإشارة إلى الصعوبة النفسية التي واجهها في البداية، لكنه آثر منح الحياة لآخرين كصدقة جارية عن روح ابنه. وأكد أن اصطفاء ابنه بالشهادة كان دافعاً لمساعدة المرضى على مواصلة حياتهم وتجاوز إعاقاتهم البصرية. وتعتبر هذه المبادرات الفردية الركيزة الأساسية التي يقوم عليها البرنامج الوطني لزراعة القرنية في ظل منع إدخال القرنيات من الخارج.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن استئناف هذه العمليات يتجاوز البعد الطبي الصرف، ليشكل صرخة في وجه الحصار وسياسة الموت البطيء التي ينتهجها الاحتلال. ففي ظل الحرمان الشديد من أبسط الحقوق العلاجية، يبتكر الفلسطينيون وسائلهم الخاصة للبقاء والاستمرار. وتعد هذه العمليات رسالة واضحة على قدرة الكوادر الوطنية على الإبداع رغم انعدام الإمكانيات اللوجستية.

بالنظر إلى لغة الأرقام، تظهر الإحصاءات الصحية كارثة إنسانية، حيث فقد نحو 700 شخص في قطاع غزة أعينهم بشكل مباشر خلال الحرب الأخيرة. ومن بين هؤلاء، هناك 600 مصاب فقدوا عيناً واحدة، بينما يعيش قرابة 100 شخص في ظلام دامس بعد فقدان كلتا العينين. وتتزايد المخاوف من ارتفاع هذه الأعداد في ظل استمرار الاستهداف المباشر للمدنيين في المناطق السكنية.

تحذر السلطات الصحية في غزة من أن آلافاً آخرين، غالبيتهم من الأطفال والشباب، مهددون بفقدان البصر نتيجة الإصابات المعقدة بشظايا الانفجارات. وتتسبب الأحزمة النارية والقصف العنيف في إصابات مباشرة في شبكية وقرنية العين، مما يتطلب تدخلات جراحية عاجلة لا تتوفر دائماً. وفي ظل استمرار القيود الإسرائيلية على حركة الإمدادات الطبية، يبقى التكافل المحلي هو النافذة الوحيدة المتاحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

دلالات

شارك برأيك

نور من قلب الحصار: غزة تستأنف عمليات زراعة القرنية بجهود ذاتية وتكافل شعبي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.