أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ماضية في استراتيجيتها الرامية لتقليص حجم انتشارها العسكري في القارة الأوروبية. ودعا روبيو حلفاء بلاده في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى التكيف مع هذا الواقع الجديد، مشيراً إلى أن التغييرات في عديد القوات أصبحت أمراً حتمياً تفرضه الضرورات الاستراتيجية العالمية لواشنطن.
وجاءت تصريحات روبيو في أعقاب اجتماع رفيع المستوى لوزراء خارجية دول الحلف عُقد في مدينة هلسينغبورغ السويدية، حيث أوضح أن التعديلات المرتقبة ليست إجراءات عقابية ضد الحلفاء. وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية تعيد النظر باستمرار في توزيع قواتها لتلبية الاحتياجات الأمنية المتغيرة في مناطق مختلفة من العالم، بعيداً عن التمركز التقليدي المكثف في أوروبا.
وفي سياق متصل، كشف وزير الخارجية الأمريكي عن توجه للإعلان قريباً عن تعديلات تخص ما يُعرف بـ 'قوات الاحتياط' داخل حلف الناتو. وتتمثل هذه القوات في مجموعات عسكرية قادرة على الاحتشاد والتدخل السريع في غضون 180 يوماً عند وقوع أي طارئ أمني يستدعي استنفاراً جماعياً للدول الأعضاء.
وعلى صعيد التحركات الميدانية المتناقضة، فاجأ الرئيس دونالد ترامب الحلفاء بإعلانه إرسال 5000 جندي إضافي إلى بولندا، وهو ما اعتبره مراقبون تراجعاً عن خطة سابقة لإلغاء هذا الانتشار. ويأتي هذا القرار بعد فترة وجيزة من سحب واشنطن لعدد مماثل من القوات من ألمانيا، إثر توترات سياسية مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
وتطرق روبيو إلى التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، مشدداً على ضرورة صياغة 'خطة بديلة' للتعامل مع التهديدات الإيرانية في الممرات المائية الدولية. وأوضح أن إصرار طهران على إغلاق مضيق هرمز أو فرض رسوم عبور غير قانونية على السفن يتطلب تحركاً دولياً منسقاً تشارك فيه دول الحلف بفعالية.
وأشار الوزير الأمريكي إلى أن المهمة المرتقبة في مضيق هرمز قد لا تندرج رسمياً تحت مظلة الناتو كمنظمة، لكنه أكد على ضرورة مساهمة الدول الأعضاء فيها بشكل مباشر. وتعكس هذه الدعوة رغبة واشنطن في إشراك حلفائها الأوروبيين في تحمل تكاليف وأعباء حماية الملاحة الدولية وتأمين إمدادات الطاقة العالمية.
سيكون هناك بالفعل عدد أقل من القوات الأمريكية في نهاية المطاف، وهذا الأمر ليس مفاجئاً رغم تفهمي للقلق الذي قد يثيره لدى الحلفاء.
من جانبه، حاول الأمين العام للحلف مارك روته تهدئة الأجواء المشحونة، مؤكداً أن الدول الأوروبية استوعبت الرسالة الأمريكية بوضوح بشأن ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي. ومع ذلك، أبدى وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول تحفظاً حيال إرسال مهمة عسكرية خاصة إلى منطقة الخليج، مما يعكس تبايناً في وجهات النظر داخل الحلف.
وتسود حالة من الترقب داخل أروقة الناتو بانتظار القمة المرتقبة في أنقرة خلال شهر يوليو المقبل، والتي سيحضرها الرئيس ترامب. ويخشى القادة الأوروبيون من مفاجآت جديدة قد يطرحها الرئيس الأمريكي، خاصة بعد تلويحه سابقاً بإمكانية الانسحاب من الحلف إذا لم يغير الأوروبيون مواقفهم من عدة ملفات شائكة.
ويرتبط استياء ترامب بشكل أساسي بموقف الدول الأوروبية من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث يرى البيت الأبيض أن الحلفاء لا يقدمون الدعم الكافي في هذا الصراع. وقد أعرب روبيو عن 'خيبة أمل' الإدارة الأمريكية من هذا الموقف، داعياً إلى معالجة الخلافات العميقة التي تعيق التنسيق المشترك في مواجهة طهران.
وفي محاولة لاستباق أي قرارات أمريكية قاسية، يسعى القادة الأوروبيون لإظهار التزامهم بتعزيز قدراتهم الدفاعية من خلال صفقات تسلح كبرى. وتفيد تقارير دبلوماسية من بروكسل بأن هناك سلسلة من العقود الضخمة التي يتم التحضير لها لشراء أسلحة ومعدات عسكرية متطورة، أغلبها من شركات تصنيع أمريكية.
ويهدف الأوروبيون من خلال هذه العقود إلى إرضاء الرئيس ترامب وإثبات جديتهم في تحمل مسؤولية أمن القارة بشكل أكبر، وتقليل الاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية. ومن المتوقع ألا يتم الكشف عن تفاصيل هذه الصفقات إلا خلال قمة أنقرة، لتكون بمثابة 'ورقة تهدئة' في مواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة.
وتبقى العلاقة بين ضفتي الأطلسي أمام اختبار حقيقي في الأشهر المقبلة، حيث تتداخل الملفات الأمنية في أوروبا مع التوترات المتفجرة في الشرق الأوسط. وبينما تصر واشنطن على إعادة تموضعها العالمي، يجد الأوروبيون أنفسهم مضطرين للموازنة بين الحفاظ على التحالف التاريخي وبين حماية مصالحهم السياسية والاقتصادية المستقلة.





شارك برأيك
روبيو يؤكد تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا ويدعو لـ 'خطة بديلة' في هرمز