تواجه الجزائر هذا العام تحدياً اقتصادياً واجتماعياً جديداً مع اقتراب عيد الأضحى، حيث قررت السلطات التدخل المباشر عبر استيراد الأغنام من دول أوروبية. تهدف هذه الخطوة إلى كسر حدة الأسعار المرتفعة للمواشي المحلية التي يفضلها المواطن الجزائري عادةً، لكنها أصبحت تفوق قدرته الشرائية نتيجة نقص المعروض وتزايد الطلب.
ولم تكتفِ الدولة بالاستيراد، بل أطلقت منصة رقمية مخصصة لتسجيل المواطنين الراغبين في اقتناء هذه الأضاحي، في محاولة للسيطرة على قنوات التوزيع. تأتي هذه الإجراءات وسط تحذيرات شديدة اللهجة من رئاسة الجمهورية تجاه المضاربين، الذين يتهمون باستغلال المناسبات الدينية لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب الفئات الهشة.
ويرى مراقبون أن اللجوء إلى الحلول الرقمية والبيروقراطية يعكس عمق الأزمة في الاقتصاد الريعي الذي لا يزال يكافح للتحول نحو اقتصاد السوق الحقيقي. فبينما تتدخل الدولة لتوفير الكباش، يعاني المواطن في قطاعات أخرى مثل سوق العجلات المطاطية التي تشهد ندرة حادة أثرت سلباً على سلامة الطرق وزادت من معدلات الحوادث المرورية.
وتبرز المفارقة في التعامل مع منحة السفر السنوية، حيث يضطر آلاف الجزائريين للتوجه براً نحو تونس لتبرير الحصول على العملة الصعبة قانوناً دون صرفها فعلياً هناك. هذه الممارسة تحولت إلى عبء إداري وأمني كبير، وتكشف عن فجوة بين القوانين الاجتماعية التي تقرها الدولة وبين الواقع الاقتصادي المعقد الذي يفرضه منطق الريع.
وفي منطقة الهضاب العليا، التي تعد الخزان الرئيسي للثروة الحيوانية، لا يزال قطاع الرعي يعاني من أساليب إنتاج تقليدية تفتقر إلى العصرنة والتكنولوجيا الحديثة. وبالمقارنة مع فلاحي الشمال والجنوب الذين حققوا طفرة في الإنتاج، ظل الموالون في السهوب بعيدين عن شروط التنافسية الدولية، مما جعل اللحوم المحلية أغلى من المستوردة.
تحولت الأضحية إلى فرض عين لمن استطاع ولمن لا يستطيع، بعد تغلب العرف والممارسة الاجتماعية على الأبعاد الدينية الصرفة.
إن غياب العصرنة في قطاع تربية المواشي لا يرتبط فقط بالآليات، بل يمتد ليكون حالة ثقافية واجتماعية تعيق تطور المهنة المتوارثة عبر الأجيال. ومع تقلص مساحات الرعي الطبيعية وتراجع إمكانيات توفير الأعلاف، أصبحت الإنتاجية الوطنية غير قادرة على تلبية احتياجات السوق بأسعار معقولة تتناسب مع دخل المواطن البسيط.
وعلى صعيد آخر، يظهر المنطق الريعي بوضوح في قطاع السياحة، حيث تفشل الهياكل الوطنية في استقطاب المواطنين الذين يفضلون الوجهات الخارجية بحثاً عن خدمات أفضل وأسعار تنافسية. فالجزائري يبحث عن التحرر من ضغوط الحياة اليومية، وهو ما لا يجد صدى كافياً في عرض سياحي داخلي يتسم بالجمود وضعف المنافسة الدولية.
إن إقحام الجهاز البيروقراطي في تفاصيل النشاط الاقتصادي اليومي، من بيع الكباش إلى توزيع العجلات، يثير تساؤلات حول فعالية هذه السياسات في المدى الطويل. فبدلاً من تحرير المبادرات الفردية، تكتفي السلطات بحلول تقنية مثل المنصات الإلكترونية التي قد تحسن الأداء مؤقتاً لكنها لا تعالج جذور الأزمة الهيكلية.
وفي نهاية المطاف، يخشى البعض أن تؤدي هذه الحلول الرقمية والمركزية إلى اندثار الأسواق الشعبية التقليدية للمواشي، بما تحمله من زخم اجتماعي وثقافي وتاريخي. فبينما تسعى الدولة لضبط السوق، قد تفتقد الأجيال القادمة تلك المظاهر المرتبطة بالعيد، والتي كانت تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الاقتصادية والثقافية للمجتمع الجزائري.





شارك برأيك
أضاحي العيد في الجزائر: حينما تصطدم الدولة الريعية بالمنصات الرقمية