في زمنٍ تتكالب فيه المؤامرات على القضية الفلسطينية، ويتعرض فيه شعبنا لأبشع موجات العدوان والتنكيل، تبقى حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المخططات الرامية إلى تصفية الحلم الفلسطيني. فمنذ انطلاقتها في الفاتح من كانون الثاني عام 1965، ظلت فتح هي البندقية التي أيقظت الضمير العربي والعالمي، وهي العنوان الذي أعاد للفلسطيني هويته وكرامته بعد عقود من التغييب والنسيان.
فتح... ضمير الأمة ووجدان فلسطين
ليست فتح مجرد حركة سياسية أو فصيل من فصائل العمل الوطني، بل هي مشروع تحرري كامل، صاغ ملامح الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وأسس لمفهوم المقاومة الشاملة بكل أشكالها. من رحم فتح خرجت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ومن مدرستها تخرّج أجيال من القادة والمناضلين الذين رووا بدمائهم تراب الوطن من شواطئ يافا إلى جبال الخليل، ومن أزقة القدس إلى مخيمات الشتات في لبنان وسوريا والأردن.
إن استمرارية حركة فتح بعد أكثر من ستة عقود من النضال المتواصل، رغم الحصار والاغتيالات والمؤامرات والانقسامات، ليست مصادفة ولا قدراً عابراً، بل هي شهادة على أصالة المشروع الذي حملته، وعلى عمق ارتباطها بنبض الشارع الفلسطيني الذي يرى فيها بيته الكبير وحضنه الدافئ.
محمود عباس... الحكمة في زمن العواصف
إن إعادة انتخاب الأخ القائد أبو مازن، الرئيس محمود عباس، رئيساً لحركة فتح في مؤتمرها العام الثامن، ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل رسالة سياسية بالغة العمق والدلالة. إنها رسالة من قواعد الحركة وكوادرها إلى العالم أجمع، مفادها أن فتح ماضية في طريقها الذي اختطه الشهيد القائد ياسر عرفات أبو عمار، وأن النهج السياسي القائم على الشرعية الدولية والقانون الإنساني وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير سيبقى ثابتاً لا يتزحزح.
لقد أثبت الرئيس محمود عباس على مدى السنوات الماضية أنه القائد الذي يمتلك من الحكمة والصبر والدهاء السياسي ما يمكّنه من قيادة سفينة الحركة والسلطة الوطنية وسط الأمواج العاتية. فهو رجل المرحلة الذي وحّد الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية، وأوصل القضية إلى محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية، وانتزع اعترافات تاريخية بدولة فلسطين من عشرات الدول حول العالم. اختياره مجدداً لقيادة الحركة هو تكريس لمسار الشرعية، ورفض قاطع لمحاولات فرض البدائل من خارج البيت الفلسطيني.
المؤتمر الثامن... وحدة الجغرافيا وحدة المصير
ولعل أبرز ما يميز هذا المؤتمر الاستثنائي هو انعقاده في أربعة أماكن في آنٍ واحد: فلسطين، وغزة، ولبنان، ومصر. وهذه ليست مجرد ضرورة لوجستية فرضتها ظروف الاحتلال والحصار، بل هي رمزية بالغة العمق تختزل جوهر الحالة الفلسطينية. ففي فلسطين تنعقد جلسات المؤتمر لتؤكد أن الأرض هي البوصلة، وفي غزة الجريحة الصامدة تنعقد لترسل رسالة وفاء لأهلها الصابرين المرابطين في وجه آلة الحرب، وفي لبنان حيث تتواجد أكبر تجمعات اللاجئين الفلسطينيين تنعقد لتؤكد أن حق العودة ثابت لا يسقط بالتقادم، وفي مصر العمق الاستراتيجي للقضية الفلسطينية تنعقد لتجدد عرى الأخوة العربية والتلاحم المصيري.
إن انعقاد المؤتمر في هذه الجغرافيا المتعددة هو إعلان صريح بأن مشروع تشتيت الفلسطينيين قد فشل، وأن وحدة الشعب الفلسطيني أينما حلّ ووُجد هي حقيقة لا يمكن تجاوزها. هذه الصورة المهيبة التي يجتمع فيها كوادر فتح من الداخل والشتات تحت سقف واحد، تذكّرنا بأن فلسطين ليست قطعة أرض فحسب، بل هي قضية أمة بأكملها.
في وجه العاصفة... فتح هي الإجابة
تنعقد جلسات المؤتمر الثامن في ظل أوضاع بالغة الصعوبة والتعقيد. شعبنا في غزة يتعرض لحرب إبادة لم تشهد البشرية لها مثيلاً منذ عقود، وأهلنا في الضفة الغربية يتعرضون لاعتداءات يومية من جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين، والقدس الشريف تتعرض للتهويد والتغيير الديموغرافي، ومخيمات اللجوء تحاصرها أزمات متلاحقة. وفي خضم هذه العاصفة، تأتي فتح لتقول للعالم: نحن هنا، نحن باقون، ونحن ماضون.
إن دور فتح اليوم لم يعد ترفاً أو خياراً، بل ضرورة وطنية قصوى. فهي الحركة القادرة على لمّ الشمل الفلسطيني، وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس سليمة، وقيادة المرحلة المقبلة نحو إنجاز المشروع الوطني المتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادةعلى أراضي الرابع من حزيران 1967م وعاصمتها القدس الشريف، وضمان حق العودة للاجئين وفق قرار الأمم المتحدة رقم 194.
كلمة أخيرة
إلى كوادر فتح في كل مكان، إلى أبناء الشهداء والأسرى والجرحى، إلى أبناء حركتنا في المخيمات وفي الداخل، نقول: إن المؤتمر الثامن ليس محطة عابرة، بل هو منعطف تاريخي يعيد ترتيب البيت الفتحاوي ويُعدّه لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة. ومع تجديد الثقة بالقائد أبو مازن، تتجدد معه الثقة بالمشروع الوطني الفلسطيني الذي لن يُهزم ما دام أبناؤه أوفياء لعهد الشهداء، متمسكين بثوابتهم الوطنية، موحدين خلف قيادتهم الشرعية.
عاشت حركة فتح... عاشت فلسطين حرة عربية أبية.





شارك برأيك
حركة فتح... راية النضال التي لا تنكسر: المؤتمر العام الثامن وتجديد البيعة للقائد محمود عباس قراءة في المعنى والدلالة