عربي ودولي

الخميس 14 مايو 2026 3:30 صباحًا - بتوقيت القدس

بكين تقرأ 'أفول الإمبراطورية': كيف تنظر الصين لولاية ترامب الثانية كفرصة تاريخية؟

تبدلت المشهدية في العاصمة الصينية بكين بين زيارة دونالد ترامب الأولى في عام 2017 والواقع الراهن؛ فبعد أن كان الاستقبال يركز على استعراض عبق التاريخ في المدينة المحرمة، باتت العناوين اليوم تتحدث عن هيمنة تكنولوجية صينية مستقبلية. تروج الصين لنفسها الآن كقوة عظمى لا تسعى للحاق بالغرب فحسب، بل تستعد لتجاوزه في مجالات الروبوتات والسيارات الكهربائية والطائرات المسيرة.

يرى محللون مقربون من دوائر صنع القرار في بكين أن السياسات الأمريكية الحالية تؤكد رؤية الرئيس شي جين بينغ حول 'صعود الشرق وانحدار الغرب'. ويعتقد هؤلاء القوميون أن الولايات المتحدة في عهد ترامب تخلت عن صورتها التقليدية كنموذج للتقدم والأمن المؤسسي، مما حطم هالة الإعجاب التي دامت عقوداً لدى الشارع الصيني.

في تقرير لافت صدر عن معهد أبحاث تابع لجامعة رينمين، وُصف ترامب بأنه 'مسرع التدهور السياسي لأمريكا'، حيث اعتبر الباحثون أن سياساته الجمركية وهجماته على الحلفاء أضعفت واشنطن من الداخل. وحمل التقرير عنواناً مثيراً للجدل هو 'شكراً لك يا ترامب'، في إشارة إلى أن عداءه للصين وحد البلاد ودفعها نحو تحقيق استقلال استراتيجي غير مسبوق.

لم يعد خطاب 'انحدار أمريكا' محصوراً في المنتديات القومية المتطرفة على الإنترنت، بل تغلغل في صلب الخطاب السياسي الرسمي للدولة الصينية. وبحسب دراسات حديثة، تضاعف استخدام المصطلحات التي تشير إلى تراجع النفوذ الأمريكي في البيانات الرسمية مع بداية عام 2025، مما يعكس ثقة متزايدة لدى القيادة الصينية.

تستغل آلة الدعاية الصينية الأحداث الداخلية الأمريكية، مثل حوادث إطلاق النار والاستقطاب السياسي الحاد، لتصوير الديمقراطية الغربية كنموذج فاشل. وقد استعارت وسائل الإعلام الرسمية مصطلحات من عالم الألعاب لوصف ما تسميه 'انحدار الطبقة العاملة الأمريكية'، في محاولة لتوجيه الرأي العام المحلي بعيداً عن التحديات الاقتصادية الداخلية في الصين.

على الصعيد الاجتماعي، كشف مستشارون تعليميون عن تراجع حاد في رغبة العائلات الصينية بإرسال أبنائهم للدراسة في الجامعات الأمريكية. فبعد أن كانت النسبة تتجاوز 80% قبل عقد من الزمن، هبطت الآن إلى أقل من 45%، حيث بات يُنظر إلى الولايات المتحدة كبيئة 'فوضوية وغير آمنة' تفتقر للاستقرار المؤسسي.

يرى الأكاديمي هوانغ جينغ أن ترامب قد يجد نفسه مضطراً لتقديم تنازلات لبكين من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية سريعة تدعم موقفه الانتخابي. وأوضح أن حاجة واشنطن لبيع المنتجات الزراعية والغاز الطبيعي للصين تمنح بكين أوراق ضغط قوية في المفاوضات الثنائية، خاصة مع اقتراب انتخابات نصف الولاية.

من جانبه، يعتقد الباحث وو شين بو أن انخراط الولايات المتحدة في نزاعات عسكرية في الشرق الأوسط، وتحديداً التوترات مع إيران، قد استنزف قدرتها التفاوضية. هذا الانشغال العسكري الأمريكي منح بكين مساحة أكبر للمناورة، حيث تشتت الانتباه الدبلوماسي لواشنطن بعيداً عن منطقة المحيط الهادئ.

تشير تقارير تحليلية إلى أن بكين تجد التعامل مع ترامب 'كرجل أعمال' أسهل بكثير من التعامل مع الإدارات الديمقراطية التي تتبنى استراتيجيات تطويق شاملة. فبينما كان جو بايدن يُنظر إليه كتهديد بنيوي يسعى لخنق الصعود الصيني، يُنظر لترامب كشخص يمكن التوصل معه لصفقات تجارية نفعية.

رغم هذا التفاؤل الصيني بتراجع الخصم، إلا أن بكين لا تزال تتوخى الحذر من الدخول في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع واشنطن. يدرك الاستراتيجيون الصينيون أن 'أمريكا غير المستقرة' قد تكون أكثر تقلباً وخطورة، مما قد يهدد استقرار النظام التجاري الدولي الذي يعتمد عليه الاقتصاد الصيني بشكل حيوي.

اتخذت الصين خطوات عملية لتعزيز نفوذها، شملت تقييد صادرات المعادن الأرضية النادرة وزيادة النشاط العسكري حول تايوان رداً على الضغوط الجمركية. ومع ذلك، تظل السياسة الخارجية الصينية محكومة بمبدأ 'الحياد النشط'، بانتظار ما ستسفر عنه التفاعلات الداخلية في الإدارة الأمريكية المتعثرة.

تصف الخبيرة الاقتصادية غيوان لين الوضع الراهن بأن الرئيس شي جين بينغ حصل أخيراً على 'أمريكا الضعيفة' التي طالما حلم بها، لكنه في الوقت ذاته يواجه 'أمريكا المتقلبة' التي كان يخشاها. فالفوضى السياسية في واشنطن سلاح ذو حدين قد يخدم الطموح الصيني أو يقلب الطاولة على الجميع.

أفادت مصادر مطلعة بأن التحول في النبرة الصينية يعكس قناعة عميقة بأن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية كبرى. ولم تعد بكين تكتفي برد الفعل، بل بدأت في صياغة قواعد اشتباك جديدة تستفيد من حالة 'الشلل المؤسسي' التي تعاني منها المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة.

في نهاية المطاف، يبدو أن الرهان الصيني يعتمد على استثمار الوقت؛ فكلما زاد الاستقطاب الداخلي في أمريكا، تعززت فرص الصين في تقديم نفسها كبديل مستقر للقيادة العالمية. ويبقى السؤال المعلق هو مدى قدرة بكين على إدارة هذا الصعود دون الانزلاق إلى صدام عسكري مباشر مع قوة عظمى لا تزال تمتلك أنياباً عسكرية فتاكة.

دلالات

شارك برأيك

بكين تقرأ 'أفول الإمبراطورية': كيف تنظر الصين لولاية ترامب الثانية كفرصة تاريخية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.