عربي ودولي

الأربعاء 13 مايو 2026 8:15 صباحًا - بتوقيت القدس

تونس في مواجهة العزلة: كيف تحولت سياسات قيس سعيد إلى مواجهة شاملة مع النخب والمجتمع؟

تشير القراءة المشهدية للواقع التونسي الراهن إلى أن السلطة السياسية بقيادة قيس سعيد باتت تعيش حالة من العزلة المتزايدة مع اقتراب الذكرى الخامسة للتحول السياسي الذي قاده. هذه العزلة لم تقتصر على الخصوم التقليديين، بل امتدت لتشمل حتى الأطراف التي دعمت مسار 25 يوليو في بداياته، مما يعكس تآكلاً في القاعدة الشعبية والسياسية التي استند إليها النظام.

لقد انتهجت السلطة مساراً تصادمياً مع القيادات السياسية المعارضة، حيث جرى تحويل الخلافات السياسية إلى ملفات قضائية أفضت بزج العديد من الرموز في السجون. هذا النهج لم يستثنِ أحداً من ألوان الطيف السياسي، سواء من شاركوا في الحكم سابقاً أو من كانوا يطمحون في بناء شراكة جديدة، مما أدى إلى تجريف كامل للمشهد الحزبي.

وعلى صعيد المؤسسات التشريعية، تحول مجلس النواب الحالي إلى كيان هامشي يفتقر للصلاحيات الحقيقية، حيث انحصر دوره في المصادقة على الاتفاقيات المالية والقروض الخارجية. ولم يسلم أعضاء هذا المجلس من الملاحقات القضائية، مما أضعف الحصانة البرلمانية وجعل المؤسسة التشريعية مجرد صدى لتوجهات السلطة التنفيذية.

القضاء التونسي ناله نصيب وافر من هذه الإجراءات، بعدما جرى تحويله من سلطة مستقلة إلى 'وظيفة' تابعة للدولة وفق التوصيف الرسمي الجديد. حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب وعزل عشرات القضاة دفعة واحدة شكل ضربة قاصمة لاستقلالية المرفق العدلي، مما أثار حفيظة الوسط القانوني والأكاديمي الذي حذر من انحرافات دستورية جسيمة.

قطاع المحاماة والحقوقيين لم يكن بمنأى عن هذا الصدام، حيث شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً في الملاحقات القضائية ضد محامين ووزراء سابقين. وبدأت ملامح التوتر تظهر بوضوح مع الهيئات المهنية الجديدة التي ترفض المهادنة، مما يفتح جبهة مواجهة جديدة بين السلطة وأصحاب الجبب السوداء.

أما في المجال الإعلامي، فقد أدت الضغوط المستمرة إلى تراجع سقف الحريات بشكل ملحوظ، حيث اختفت برامج النقاش السياسي الجادة من الشاشات والإذاعات. واستعيض عن التعددية الإعلامية بأصوات تتبنى الرواية الرسمية فقط، في حين يواجه الصحافيون والناشطون على منصات التواصل الاجتماعي ملاحقات كيدية تهدف إلى إسكات النقد.

الجانب الاقتصادي والاجتماعي يمثل الجبهة الأكثر سخونة، حيث يعاني المواطن التونسي من ارتفاع مهول في أسعار السلع الأساسية وندرة في الأدوية واللحوم. هذا التدهور في المعيشة ترافق مع تراجع حاد في الخدمات العامة مثل الصحة والنقل، مما خلق حالة من السخط الشعبي الصامت تجاه الوعود التي لم تتحقق.

رجال الأعمال والمستثمرون باتوا يشعرون بتهديد دائم نتيجة سياسات الابتزاز تحت غطاء 'الصلح الجزائي'، مما دفع بالكثير منهم إلى نقل استثماراتهم خارج البلاد. هذه البيئة الطاردة لم تؤثر فقط على رأس المال المحلي، بل امتدت لتشمل المستثمرين الأجانب، مما فاقم من أزمة البطالة والركود الاقتصادي.

القطاع الزراعي والعمالي تأثر هو الآخر بغياب الرؤية الحكومية الواضحة لدعم الإنتاج وتحسين مسالك التوزيع، مما أثقل كاهل المزارعين والعمال بالضرائب. كما جرى إضعاف الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي كان يمثل قوة توازن كبرى، من خلال استهداف العمل النقابي وتهميش دوره في الحوار الوطني.

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تظهر ملامح القلق لدى السلطة من أي حديث عن بدائل سياسية مستقبيلة، كما حدث عقب نشر تقارير صحفية أجنبية تتحدث عن 'تونس ما بعد سعيد'. هذا الارتباك يعكس هشاشة الوضع السياسي الحالي في ظل غياب التوافق الوطني واستمرار سياسة المواجهة مع كافة المكونات المجتمعية.

دلالات

شارك برأيك

تونس في مواجهة العزلة: كيف تحولت سياسات قيس سعيد إلى مواجهة شاملة مع النخب والمجتمع؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.