في توقيت يتسم بحساسية أمنية بالغة وتشهد فيه المنطقة حافة مواجهة إقليمية، برز إعلان دولة الإمارات عن تمركز مقاتلات مصرية على أراضيها كحدث يتجاوز التنسيق العسكري التقليدي. جاء هذا الإعلان تزامناً مع زيارة رسمية أجراها عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة أبو ظبي، حيث ظهر وسط الطيارين المصريين داخل إحدى القواعد الجوية الإماراتية.
يرى مراقبون أن هذا التطور لا يمكن حصره في إطار 'التعاون العسكري العربي' المعتاد، بل يمثل إشارة سياسية وعسكرية تحمل دلالات استراتيجية عميقة. إن طبيعة الإعلان تشير إلى تحول محتمل في وظيفة القوات المسلحة المصرية، من التركيز على حماية الحدود الوطنية إلى الانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية أوسع.
البيانات الرسمية الصادرة لم تكتفِ بالحديث عن مناورات عابرة، بل استخدمت مصطلحات دقيقة مثل 'المقاتلات المتمركزة'، وهو ما يعكس وجوداً عملياتياً دائماً. هذا التمركز يضع القوة الجوية المصرية في قلب منظومة الردع الخليجية، خاصة في ظل التصعيد المستمر مع الجانب الإيراني والتحالفات الناشئة في المنطقة.
تطرح هذه الخطوة تساؤلات جوهرية حول المسار الدستوري والسياسي لاتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية، ومدى إطلاع البرلمان أو الشعب المصري على أبعادها. فالتمركز العسكري خارج الحدود في مناطق نزاع محتملة يحمل مخاطر أمنية قد تجعل الجنود المصريين أهدافاً في صراعات لا تمس الأمن القومي المباشر للبلاد.
منذ سنوات، يتبنى النظام المصري نهجاً سياسياً يتماهى مع محور يضم قوى إقليمية ودولية فاعلة، وهو ما يظهر في التنسيق الأمني والاستخباراتي المتزايد. هذا الاصطفاف بات واضحاً في ملفات إقليمية شائكة بدءاً من غزة وصولاً إلى السودان وأمن البحر الأحمر، مما يعزز فرضية التبعية السياسية للممولين.
المفارقة تكمن في أن الدولة التي تؤكد دوماً على 'السيادة الوطنية' تجد نفسها اليوم مرتبطة بقرارات استراتيجية تمليها ضرورة الحصول على المساعدات والاستثمارات الخليجية. لقد أدى الوضع الاقتصادي المتأزم إلى تحويل القرار السيادي إلى ورقة للمقايضة مقابل الودائع والدعم المالي لإنقاذ الاقتصاد المترنح.
حين تعاقدت مصر على شراء مقاتلات 'رافال' الفرنسية، كان الخطاب الرسمي يركز على تحديث الجيش لحماية الأمن القومي المصري من التهديدات المباشرة. لكن وجود هذه الطائرات الآن في قواعد خارجية يثير تساؤلات حول ما إذا كانت العقيدة القتالية قد أعيد صياغتها لتخدم مصالح حلفاء إقليميين ودوليين.
كلمة 'متمركزة' ليست تفصيلاً لغوياً عابراً؛ ففي العقيدة العسكرية يعني التمركز وجوداً عملياتياً مستمراً وليس مجرد زيارة بروتوكولية.
إسرائيل، من جانبها، تجد مصلحة استراتيجية كبرى في بناء تحالف إقليمي يضم جيوشاً عربية لمواجهة النفوذ الإيراني، مما يقلل من تكلفتها العسكرية والسياسية. وفي هذا السياق، يخشى محللون أن يصبح الجيش المصري جزءاً من منظومة تخدم أمن تل أبيب أكثر مما تخدم تطلعات الشعب المصري.
تاريخياً، كان الجيش المصري يمثل رمزاً للاستقلال الوطني والمواجهة المباشرة مع المشروع الصهيوني، خاصة بعد انتصارات أكتوبر. أما المشهد الحالي فيبدو مختلفاً، حيث تنخرط المؤسسة العسكرية في منظومة إقليمية تتعايش مع الاحتلال وتتحرك ضمن خرائط النفوذ التي ترسمها واشنطن.
يتزامن هذا التحرك العسكري الخارجي مع غضب شعبي مكتوم في الداخل المصري بسبب الأزمات المعيشية الطاحنة وانهيار قيمة العملة المحلية. فالمواطن الذي يعاني من تضخم غير مسبوق يجد صعوبة في تقبل إنفاق موارد الدولة العسكرية في مهام خارجية بعيدة عن أولوياته اليومية.
إن الاعتماد شبه الكامل على الدعم المالي من الإمارات والسعودية منذ عام 2013، خلق علاقة غير متكافئة بين القاهرة وعواصم القرار الخليجي. هذه العلاقة تحولت تدريجياً من تحالف استراتيجي إلى ما يشبه علاقة التبعية، حيث يتحرك 'التابع' وفق حسابات 'الممول' السياسية والاقتصادية.
انتقاد هذه السياسات لا يعني بالضرورة الانحياز للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، بل هو دعوة لاستعادة استقلال القرار المصري. فمصر، بثقلها التاريخي والجغرافي، لا ينبغي أن تكون أداة في صراعات الوكالة أو 'مرتزقاً عسكرياً' ينفذ أجندات خارجية مقابل حفنة من الدولارات.
الخطر الحقيقي يكمن في تطبيع فكرة استخدام الجيش المصري كأداة في صراعات إقليمية لا تخدم المصالح الوطنية المباشرة. اليوم يتم التمركز في الإمارات، وغداً قد نرى انخراطاً أعمق في حروب إقليمية أوسع، وهو ما قد يكلف البلاد أثماناً باهظة من دماء أبنائها واستقرارها المستقبلي.
في الختام، يمثل تمركز المقاتلات المصرية في الخليج لحظة كاشفة لحجم التحولات الهيكلية في الدولة المصرية تحت الإدارة الحالية. فالدولة التي كانت تقود الإقليم أصبحت تبحث عن موطئ قدم في تحالفات الآخرين، مما يضع استقلال القرار الوطني على المحك أمام اختبارات التاريخ القادمة.





شارك برأيك
تمركز مقاتلات مصرية في الإمارات: تساؤلات حول تحولات العقيدة العسكرية واستقلال القرار