لم تعد الأزمة بين السودان وإثيوبيا حبيسة الخلافات الحدودية التقليدية أو النزاع الفني حول سد النهضة، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة. وتكشف الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة والاتهامات المباشرة التي وجهتها الخرطوم لأديس أبابا عن تحول جذري في طبيعة الصراع، حيث بدأ ينتقل من 'حرب الظل' إلى مواجهة عسكرية تقترب من العلن.
وأكد الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب أن الأجهزة المختصة تمتلك أدلة فنية واستخباراتية لا تقبل الشك حول تورط الجانب الإثيوبي. وأوضح أن التحقيقات أثبتت انطلاق مسيرات استهدفت مطار الخرطوم ومنشآت حيوية أخرى من مطار 'بحر دار' الواقع داخل العمق الإثيوبي، مما يعد خرقاً صريحاً لسيادة الدولة.
ورغم النفي الرسمي الصادر عن الحكومة الإثيوبية، إلا أن مصادر ميدانية وتقارير دولية عززت الرواية السودانية عبر صور الأقمار الاصطناعية. وأشارت هذه التقارير إلى وجود معسكرات تدريب مجهزة بممرات جوية وحظائر للطائرات المسيرة مخصصة لإسناد 'قوات الدعم السريع' داخل الأراضي الإثيوبية، مما يضع أديس أبابا في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الاستخبارات السودانية رصدت منذ أواخر العام الماضي تحركات مريبة على الشريط الحدودي، ووجهت تحذيرات مبكرة للجانب الإثيوبي. ومع ذلك، ترى الخرطوم أن حكومة آبي أحمد اختارت الانخراط في مخططات إقليمية تهدف إلى دعم طرف ضد آخر في الحرب السودانية المستعرة، مما أدى لفتح جبهات جديدة في ولاية النيل الأزرق.
وفي خطوة تصعيدية تعكس حجم الغضب السوداني، استدعت وزارة الخارجية سفيرها لدى أديس أبابا للتشاور، بالتزامن مع الدعوة لاجتماع طارئ في جامعة الدول العربية. وتتجه الأنظار حالياً نحو مجلس الأمن الدولي والمنظمات الإقليمية، حيث تسعى الخرطوم لتدويل القضية وزيادة الضغط السياسي على الحكومة الإثيوبية لوقف تدخلاتها العسكرية.
هناك أدلة وإثباتات فنية واستخباراتية قاطعة تثبت انطلاق المسيّرات التي استهدفت مواقع سودانية من داخل الأراضي الإثيوبية.
وعلى الجانب الآخر، تعاني إثيوبيا من هشاشة داخلية كبيرة تجعل انخراطها في صراع خارجي مقامرة غير مأمونة العواقب. فالحكومة المركزية في أديس أبابا تواجه تحديات متصاعدة من حركات مسلحة في أقاليم مختلفة، من بينها جبهة 'فانو' الأمهرية، بالإضافة إلى التوترات المستمرة في إقليم تيغراي رغم اتفاقات السلام الهشة.
وفي تطور ميداني لافت، ذكرت تقارير إخبارية أن حركة تحرير 'بني شنقول' شنت هجمات استهدفت معسكرات تابعة لـ 'قوات الدعم السريع' داخل الحدود الإثيوبية. هذا التداخل بين القوى المسلحة المحلية والإقليمية ينذر بتحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة، حيث تتشابك المصالح الوطنية مع الأجندات العسكرية العابرة للحدود.
ويرى مراقبون أن السودان لا يزال يمارس سياسة 'النفس الطويل' ويتجنب الانزلاق إلى صدام عسكري شامل مع جاره الشرقي. فالقيادة السودانية تدرك أن فتح جبهة قتال خارجية في ظل الحرب الداخلية المنهكة قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما تحاول القوى الدولية تلافيه عبر قنوات دبلوماسية مكثفة.
إن علاقة أديس أبابا بالأزمة السودانية لم تكن وليدة اللحظة، بل بدأت ملامح الانحياز تظهر منذ الاستقبال الرسمي لقائد قوات الدعم السريع 'حميدتي' في العاصمة الإثيوبية. ومنذ ذلك الحين، توالت التقارير عن استخدام الأراضي الإثيوبية كممر لإمدادات السلاح واللوجستيات، وصولاً إلى مرحلة الإسناد العسكري المباشر عبر الطائرات المسيرة وفقاً للاتهامات الأخيرة.
يبقى السؤال الجوهري قائماً حول مدى استعداد المنطقة لتحمل تبعات مواجهة مكشوفة بين دولتين بحجم السودان وإثيوبيا. فالتحدي الحقيقي اليوم يكمن في كيفية احتواء هذا التصعيد قبل أن يتحول إلى شرارة لصراع إقليمي أوسع يطال الممرات المائية والموارد الحيوية، ويعيد رسم خارطة القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.





شارك برأيك
من حرب الظل إلى المواجهة المكشوفة: تصاعد التوتر العسكري بين السودان وإثيوبيا