أقلام وأراء

الجمعة 01 مايو 2026 1:53 مساءً - بتوقيت القدس

العرب بين قيود الخرائط المصطنعة ومشروع الأمة المؤجل

لم تكن خسارة العرب مجرد ضياع لفكرة سياسية عابرة، بل كانت تبديداً لمشروع حضاري متكامل كان بوسعه تغيير موقعهم في التاريخ العالمي. لقد تحول المجال الجغرافي الذي يجمعهم من قوة فعل سياسية إلى مجرد حنين ثقافي، نتيجة لتبني حدود زائفة رسمتها القوى الكبرى في غرف مغلقة بعيداً عن إرادة الشعوب.

بدأ التفكيك الفعلي قبل الاستقلالات الشكلية، حيث نُظر إلى المشرق العربي كفضاء قابل لإعادة التصميم والمساومة الدولية. كانت اتفاقية سايكس بيكو بمثابة الجرح المؤسس الذي لم يقسم الأرض فحسب، بل قسم المستقبل العربي عبر خلق وحدات سياسية منفصلة تحمل كل منها سردية حدودية متوجسة من جيرانها.

الدولة القطرية التي نشأت عقب الاستعمار لم تكن حلاً، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى جدار عازل يمنع التلاقي الحقيقي بين الشعوب. وبدلاً من أن تكون هذه الدول بوابات نحو تكامل تدريجي، أصبحت عقائد سياسية مغلقة ترى في أي مشروع وحدوي تهديداً لسيادتها الهشة والمستمدة غالباً من اعتراف الخارج.

لقد استبدلت الأنظمة مفهوم الأمة بالمواطنة الضيقة، ثم اختزلت المواطنة في الولاء للنظام الحاكم، مما أدى إلى انحدار السياسة من مستوى المشروع القومي إلى مستوى البقاء السلطوي. هذا الواقع جعل كل كيان عربي مشغولاً بحماية نفسه من جاره أكثر من انشغاله بحماية الأمن القومي العربي الشامل.

تشير التقارير إلى أن التمزق العربي لم يعد نتاجاً للتدخل الخارجي وحده، بل صار يُدار بأيدٍ عربية تسعى لفرض نفوذها الإقليمي على حساب استقرار الدول الشقيقة. ففي اليمن وليبيا والسودان، برزت أدوار إقليمية دعمت تشكيلات موازية للدولة، مما ساهم في إطالة أمد الصراعات وترسيخ الانقسامات المجتمعية.

في الحالة السودانية واليمنية، وُجهت اتهامات مباشرة لأطراف إقليمية بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوى غير نظامية، مما أدى إلى كوارث إنسانية وتمزيق للنسيج الوطني. هذه التدخلات تعكس رؤية تفضل الأنظمة المنضبطة أمنياً أو الموالية لها على حساب الدول الحية اجتماعياً والديمقراطية.

جاءت حرب 'طوفان الأقصى' لتكون الاختبار الأخلاقي والسياسي الأكثر وضوحاً، حيث كشفت الفجوة العميقة بين نبض الشارع العربي وحسابات الأنظمة الرسمية. فبينما تحركت الجماهير غضباً وتضامناً مع غزة، اختارت معظم الحكومات لغة الحسابات الباردة وتجنب الإرباك الداخلي أو الدولي.

الفشل الرسمي العربي في مواجهة العدوان على غزة لم يكن مجرد عجز تقني، بل كان دليلاً على انهيار البوصلة السياسية لدى أنظمة باتت ترى في القضية الفلسطينية عبئاً يجب احتواؤه. لقد فضحت الحرب عجز المنطقة الرسمية عن تحويل مواردها وقدراتها إلى موقف ضاغط يحمي الحقوق العربية الأساسية.

من جانب آخر، كشفت المواجهات الأخيرة المتعلقة بإيران هشاشة المظلة الأمنية الأمريكية التي راهنت عليها دول عربية لعقود طويلة. فقد تبين أن الحماية الخارجية لا تمنع الكلفة السياسية والاقتصادية، بل تضمن غالباً أن يكون العرب هم الخط الأول لدفع ثمن الصراعات الدولية والإقليمية.

إن الاعتماد الكلي على القوى العظمى في هندسة الأمن القومي أدى إلى فقدان القرار السيادي المستقل في العواصم العربية. وعند لحظة الاختبار الحقيقي، اكتشفت الدول التي تستضيف القواعد الأجنبية أن وجودها لا يعني بالضرورة الأمان، بل قد يتحول إلى عبء يستنزف الموارد دون توفير ردع حقيقي.

لعب الإعلام العربي دوراً محورياً في تثبيت هذا الانقسام عبر تحوله إلى أداة لإعادة إنتاج الحدود السياسية وتزييف الوعي الجمعي. فبدلاً من بناء سردية جامعة، تبنت بعض المنصات الإعلامية خطاباً يقلل من شأن القضايا المركزية أو يتبنى روايات الخصوم، مما أضعف الجبهة الثقافية العربية.

لقد فشلت القومية العربية في صيغتها الرسمية لأنها وُظفت كغطاء للاستبداد وتبرير القمع باسم المعركة أو المصلحة العليا. والنتيجة كانت فقدان الشعوب للثقة في الشعارات الكبرى بعدما رأت كيف تُستخدم لتأجيل الديمقراطية واحتكار السلطة من قبل نخب عائلية أو عسكرية.

رغم هذا الواقع القاتم، لا تزال الفكرة العربية حية في الوجدان الشعبي الذي يتجاوز الحدود في كل أزمة كبرى تصيب بغداد أو دمشق أو غزة. هذا الوعي الفطري بالمصير المشترك هو ما تخشاه الأنظمة، لأنه يمثل الشرعية الحقيقية التي يمكن أن تبني مشروعاً مستقبلياً يتجاوز عثرات الماضي.

إن الخروج من مأزق التشرذم يتطلب الانتقال من فخ الخطابة إلى بناء المؤسسات المشتركة القائمة على التكامل الاقتصادي والتنسيق الأمني المستقل. لن يتحقق الخلاص إلا باستعادة الشعوب لدورها كمصدر للشرعية، وبناء سيادة عربية تقوم على التعاون لا على الانغلاق خلف خرائط رسمها المستعمر.

دلالات

شارك برأيك

العرب بين قيود الخرائط المصطنعة ومشروع الأمة المؤجل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.