أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

حصار إسرائيل بين الخيارات: قوة تتصاعد… وصراع يستنزفها

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في الشرق الأوسط، تعود أسئلة الهوية والهجرة إلى الواجهة—لا بوصفها نقاشًا نظريًا، بل كواقع يومي يطال الأفراد ويعكس تحولات أعمق في السياسة. وفي قلب هذا المشهد تقف إسرائيل، الدولة التي قامت على فكرة جمع الشتات، لكنها تجد نفسها اليوم أمام مفارقة متزايدة: ليست الوجهة الحتمية لكل يهود العالم، وليست أيضًا بمنأى عن التحولات التي تعيد تعريف معنى الانتماء ذاته.

خلال السنوات الأخيرة، عززت حكومات يقودها بنيامين نتنياهو خطابًا يضع إسرائيل في موقع “الملاذ الأخير” لليهود. يستند هذا الطرح إلى وقائع حقيقية، منها تصاعد حوادث معاداة السامية في بعض الدول الغربية، خاصة في أعقاب أزمات كبرى مثل حرب غزة 2023. لكن الإشكالية لا تكمن في وجود هذه الظواهر، بل في كيفية توظيفها: حين يُقدَّم العالم الخارجي باعتباره بيئة متزايدة الخطر، تصبح الهجرة إلى إسرائيل خيارًا يبدو أكثر إلحاحًا، لا بالضرورة نتيجة قناعة حرة، بل تحت ضغط سياق مُعاد تأطيره.

مع ذلك، لا تعكس هذه الرواية كامل الصورة. ففي مدن مثل نيويورك وباريس ولندن، يعيش ملايين اليهود الذين يرون في أوطانهم استقرارًا راسخًا، ويرفض كثيرون اختزال هويتهم في مشروع قومي واحد. بالنسبة لهم، لا تُختزل اليهودية في دولة، ولا تُفهم بالضرورة من خلال سياسات الحكومة الإسرائيلية. هذا التباين يعكس تحولًا أوسع: الهوية لم تعد أحادية أو مرتبطة بمركز واحد، بل أصبحت متعددة وموزعة عبر تجارب وسياقات مختلفة.

في المقابل، تبرز مفارقة أكثر تعقيدًا: فكلما تصاعدت العمليات العسكرية أو السياسات المتشددة، تزايدت الانتقادات الدولية، وأحيانًا—وبشكل مقلق—تزايدت أيضًا حوادث العداء لليهود. وهكذا يجد يهود الخارج أنفسهم في موقع إشكالي، متأثرين بسياسات لا يشاركون في صنعها، ومعرّضين لردود فعل لا يستطيعون التحكم بها. لا توجد أدلة حاسمة على أن هذا الترابط مقصود، لكن نتائجه، حين تحدث، تصبح جزءًا من خطاب سياسي يعيد إنتاج نفسه.

في هذا السياق، يتجلى “حصار الخيارات” داخل إسرائيل نفسها. فبعد عقود كان فيها الحديث يدور حول تسوية نهائية، يتقدم اليوم نهج مختلف يقوم على “إدارة الصراع”. لم يعد الهدف حلًا شاملًا بقدر ما أصبح احتواءً مستمرًا: تقليل المخاطر، ضبط الإيقاع، وتجنب القرارات الكبرى التي قد تفرض تحولات جذرية.

تقدم حرب غزة 2023 مثالًا واضحًا على هذا التحول. فالجولات العسكرية المتكررة لم تفتح أفقًا سياسيًا جديدًا، بل أعادت إنتاج نمط مألوف: تصعيد واسع، يعقبه تدخل لضبط الوضع، ثم عودة إلى حالة من اللا حسم. ومع كل دورة، تتسع المسافة بين الواقع القائم وإمكانية الوصول إلى حل نهائي.

ولم يعد هذا النمط محصورًا في غزة. فقد امتد إلى الإطار الإقليمي، خاصة مع المواجهات غير المباشرة والمباشرة مع إيران، حيث تُستخدم القوة دون أن تفرض نهاية سياسية واضحة. هذا التمدد يعمّق الإحساس بأن الصراع لم يعد مرحلة انتقالية نحو حل، بل أصبح بنية قائمة بذاتها.

في الضفة الغربية، يأخذ هذا التحول شكلًا تراكميًا هادئًا لكنه عميق الأثر. فالتوسع الاستيطاني وإعادة تشكيل الجغرافيا والواقع الإداري يفرضان وقائع جديدة دون إعلان رسمي عن بديل سياسي. ومع مرور الوقت، تجعل هذه التغييرات أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للتطبيق وفق النماذج التي طُرحت سابقًا.

أما دبلوماسيًا، فلا يزال حل الدولتين حاضرًا في الخطاب الدولي، لكنه يفتقر إلى الزخم الفعلي. وبدلًا من مفاوضات حاسمة، يسود نمط من التأجيل وإدارة الأزمة، حيث تُعالج القضايا بشكل جزئي دون الوصول إلى إطار شامل.

في ظل هذه المعادلة، يتجسد “حصار إسرائيل بين الخيارات” بوضوح. فهي تعزز حضورها على الأرض وتملك تفوقًا عسكريًا، لكنها في الوقت ذاته تنخرط في نمط صراع طويل يفرض عليها كلفة متراكمة. فبينما يتحمل الفلسطينيون العبء الأكبر والمباشر—بشريًا وماديًا—يتشكل على الجانب الإسرائيلي نوع مختلف من الاستنزاف: سياسي ودبلوماسي، مع تزايد الانتقادات الدولية؛ وصوري، مع تآكل صورتها في الرأي العام العالمي؛ واستراتيجي، مع غياب أفق حاسم ينهي التهديد بدل إدارته.

بهذا المعنى، لا يبدو الصراع مجرد استنزاف لطرف واحد، بل معادلة غير متكافئة: طرف يُستنزف بقسوة في الحاضر، وآخر يُستنزف ببطء على المدى الطويل. وهذه المعادلة، رغم اختلالها، تعمّق المأزق بدل أن تحلّه.

فبعد هذا الصعود الدراماتيكي لإسرائيل—عسكريًا وإقليميًا—يبدو أنها تدخل مرحلة مختلفة: ليس بالضرورة “نزولًا” حادًا، بل انتقالًا إلى وضع تتزايد فيه كلفة هذا الصعود نفسه. فالتفوق الذي تعزز عبر جولات مثل حرب غزة 2023 لم يُترجم إلى حسم سياسي، بل رافقه ضغط متصاعد—دوليًا وداخليًا—يجعل الحفاظ على هذا المستوى من القوة أكثر تعقيدًا. بهذا المعنى، لا يتراجع الصعود بقدر ما يواجه حدوده، حيث تبدأ القوة، بدل أن تفتح أفقًا للحل، في إنتاج قيود جديدة تعيد تشكيل الخيارات وتدفع نحو مراجعة المسار.

هذا التباين بين من يملك القوة ومن يملك السردية يعمّق المأزق. فالتسوية لم تنجح، والقوة لم تحسم، وإدارة الصراع لم تُنهِه. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المسارات إلى حالة من الاستنزاف المتبادل، تفقد معها القدرة على إنتاج مخرج واضح.

بين مسار اتفاقيات أوسلو، الذي سعى إلى حل نهائي، والمسار الحالي الذي يقوم على إدارة مفتوحة للصراع، لا يعود الواقع إلى نقطة البداية، بل يتشكل من جديد. وبهذا المعنى، لا تبدو العودة إلى أي صيغة سابقة ممكنة كما كانت.

ورغم أن العودة إلى مسار التسويات قد لا تبدو خيارًا مفضلًا في اللحظة الراهنة، فإنها قد تصبح، مع مرور الوقت، الخيار الأكثر واقعية ضمن هذا الحصار. ليس لأن جميع البدائل قد استُنفدت بالكامل، بل لأن كلفة الاستمرار قد تتجاوز كلفة التغيير. عندها، قد لا تأتي التسوية بوصفها خيارًا مثاليًا أو طوعيًا، بل كاستجابة لضغط متراكم يعيد ترتيب الأولويات ويفرض إعادة النظر في المسار القائم.

هكذا، لا يتجه الصراع نحو نهاية حاسمة، بل يستمر كعملية طويلة من التكيف وإعادة التشكل. وفي غياب حل نهائي، يبقى الاحتمال الأرجح هو استمرار هذا النمط: صراع يُدار أكثر مما يُحل، إلى أن تفرض التحولات المتراكمة شروطًا جديدة تعيد تعريف ما يبدو ممكنًا.



دلالات

شارك برأيك

حصار إسرائيل بين الخيارات: قوة تتصاعد… وصراع يستنزفها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.