يطوي السودان سجل العام الثالث من القتال الدامي، ليفتح باب العام الرابع على واقع ميداني شديد التعقيد رسمت ملامحه تحولات عسكرية مفصلية. وتستمر الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط تعثر مستمر لكافة مبادرات التسوية السلمية الرامية لإنهاء النزاع.
شهد مطلع العام الثالث تحولاً جذرياً في مسار المواجهات الميدانية، حيث تمكن الجيش السوداني في مايو 2025 من حسم حرب الشوارع الضارية في مدن العاصمة الثلاث. وأدت هذه السيطرة إلى استعادة المؤسسات السيادية، مما أجبر قوات الدعم السريع على التراجع نحو معاقلها في ولايات كردفان وإقليم دارفور.
توجت النجاحات العسكرية في العاصمة بعودة الحكومة السودانية رسمياً لمباشرة مهامها من الخرطوم في يناير 2026، برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس. وأنهت هذه الخطوة فترة اتخاذ مدينة بورتسودان كعاصمة إدارية مؤقتة دامت لأكثر من عامين، مع البدء في خطط إعادة إعمار البنية التحتية المنهكة.
على الجبهة الغربية، لا يزال إقليم دارفور يشتعل تحت وطأة الصراع، حيث أحكمت قوات الدعم السريع قبضتها على معظم الولايات الخمس بالإقليم. وكان سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي نقطة تحول مأساوية، وسط اتهامات دولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في المركز الإنساني الأبرز بالإقليم.
انتقل ثقل العمليات العسكرية مؤخراً إلى ولايات كردفان، حيث يسيطر الجيش على معظم مناطق الشمال والجنوب، بينما تسيطر الدعم السريع على غرب كردفان. وتبرز أهمية هذه المنطقة لوجود حقول نفط 'هجليج' الاستراتيجية، التي شهدت انتشاراً لقوات من دولة جنوب السودان لتأمين تدفق الإمدادات النفطية.
لم تقتصر نيران الحرب على الأقاليم التقليدية، بل امتدت لتشمل ولاية النيل الأزرق المتاخمة للحدود الإثيوبية، مما يهدد بتدويل النزاع. وتثير هذه الاشتباكات مخاوف جديّة بشأن أمن السدود والمنشآت المائية الحيوية، في ظل هجمات منسقة تشنها قوات الدعم السريع وحلفاؤها في المنطقة.
برز استخدام الطائرات المسيّرة كأخطر ملامح المرحلة الحالية من الحرب، حيث تحولت المعارك إلى 'حرب استنزاف' تستهدف خطوط الإمداد والمناطق الحيوية. وأفادت مصادر طبية بأن هذه الهجمات الجوية تسببت في مقتل العشرات من المدنيين في ولايات كانت تُصنف سابقاً بأنها آمنة نسبياً.
تحولت الحرب من مواجهة عسكرية تقليدية إلى صراع متعدد الجبهات، حيث دخل سلاح الطائرات المسيّرة كلاعب حاسم غيّر قواعد الاشتباك وزاد من كلفة الدماء.
حذرت تقارير دولية من التصاعد الخطير في استخدام السلاح الجوي المسيّر، مؤكدة مقتل أكثر من 500 مدني في غارات جوية مطلع عام 2026. وتعتمد الأطراف المتصارعة على هذه الأسلحة المتطورة والرخيصة نسبياً، مما زاد من وتيرة الضحايا في المناطق المأهولة بالسكان في كردفان والجزيرة.
على الصعيد الإنساني، وصفت الأمم المتحدة العام الثالث للحرب بأنه 'الأكثر قسوة' على المدنيين السودانيين منذ اندلاع الأزمة. وبلغت مستويات الجوع وانعدام الأمن الغذائي حداً غير مسبوق، نتيجة انسداد طرق الإغاثة واستمرار العمليات العسكرية التي تعيق وصول المساعدات الضرورية.
تشير الإحصائيات الأممية الأخيرة إلى أن نحو 13 مليون سوداني اضطروا للفرار من منازلهم، حيث يتوزعون بين نازحين داخلياً ولاجئين في دول الجوار. ومن المتوقع أن يحتاج أكثر من 33 مليون شخص لمساعدات إنسانية عاجلة خلال العام الجاري، وهو الرقم الأعلى المسجل عالمياً.
لا تزال مسارات السلام تعاني من تعثر مزمن، حيث فشلت المبادرات الإقليمية والدولية في تحقيق أي اختراق حقيقي يوقف نزيف الدماء. ومنذ 'منبر جدة' في 2023، لم تنجح الجهود الدبلوماسية إلا في انتزاع هدن هشة تعرضت لخروقات متكررة أدت لتعليق المفاوضات في عدة مناسبات.
طرحت 'الرباعية الدولية' التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات مقترحاً لهدنة إنسانية شاملة تمهد لعملية انتقالية مدنية. إلا أن هذه الدعوات اصطدمت بالواقع الميداني المتفجر، حيث يصر كل طرف على شروط عسكرية وسياسية يصعب التنازل عنها في الوقت الراهن.
قدم رئيس الوزراء كامل إدريس مبادرة أمام مجلس الأمن الدولي ترتكز على وقف شامل لإطلاق النار ونزع سلاح قوات الدعم السريع كشرط للسلام. وتعتبر الحكومة السودانية أن دمج القوات في جيش وطني واحد هو السبيل الوحيد لضمان استقرار البلاد المستقبلي ومنع تكرار سيناريوهات الحرب.
بينما يدخل السودان عامه الرابع من النزاع، تظل الآمال معلقة على إرادة سياسية تنهي هذه المأساة التي مزقت النسيج الاجتماعي ودمرت الاقتصاد. ومع استمرار 'معادلة الاستنزاف المفتوح'، يواجه السودانيون مستقبلاً غامضاً يتأرجح بين طموحات العودة للاستقرار ومخاطر التفتت والانهيار الشامل.





شارك برأيك
السودان يدخل العام الرابع من الحرب: تحولات ميدانية من قتال الشوارع إلى صراع المسيّرات