حذرت الدكتورة عبير عبد العزيز، المعالجة النفسية الإكلينيكية، من التساهل في إطلاق وصف 'النرجسي' بشكل عشوائي في الحياة اليومية دون أساس مهني. وأوضحت أن هذا الاضطراب يتجاوز مجرد حب الظهور، ليشكل خطراً حقيقياً على الصحة النفسية للمحيطين بالمصاب، مما يستدعي فهماً عميقاً لطبيعة هذا السلوك المعقد.
تؤكد المصادر الطبية أن الشخصية النرجسية تعاني من اضطراب نفسي متجذر ينعكس في صفات دائمة ومستمرة، وليس مجرد رد فعل لموقف عابر. يسعى هذا الشخص دائماً ليكون محور الاهتمام ومحط إعجاب الجميع، حتى في غياب أي مبررات منطقية لهذا الاستحقاق المزعوم الذي يفرضه على الآخرين.
تتجلى أبرز سمات النرجسي في قدرته الفائقة على التلاعب بالآخرين، والغرور الذي يتجاوز الحدود المنطقية، مع رغبة جامحة في السيطرة على كافة مفاصل الأمور. كما يعاني المصاب من غيرة مرضية تدفعه للدخول في منافسات غير شريفة، وقد يصل به الأمر إلى إيذاء الآخرين واستغلالهم لتحقيق أهدافه الشخصية.
شددت الدكتورة عبد العزيز على أن تشخيص هذا الاضطراب لا يمكن أن يتم بناءً على صفة واحدة أو موقف منفرد. بل يتطلب الأمر اجتماع مجموعة من المعايير السلوكية التي تستمر لفترات زمنية طويلة، ويجب أن يتم ذلك حصراً عبر جلسات تخصصية يشرف عليها طبيب أو معالج نفسي مؤهل.
يواجه المحيطون بالشخص النرجسي صعوبات بالغة في التعامل معه، بل إن المعالجين أنفسهم قد يجدون تعقيداً في إدارة الحالة بسبب قدرة النرجسي على التلاعب بالحقائق. هذه الشخصية تمتلك قدرة تدميرية عالية تجاه الآخرين، حيث تسعى دوماً لهدم ثقتهم بأنفسهم لضمان بقائهم تحت سيطرتها المطلقة.
وفيما يتعلق بوعي النرجسي بسلوكه، تشير المصادر إلى أن هؤلاء الأشخاص يدركون غالباً ما يقومون به من تلاعب، لكنهم يبرعون في خلق المبررات لأنفسهم. إنهم يمارسون الضغط النفسي بشكل مقصود ومنظم، مما يجعل الضحية في حالة دائمة من الشك والارتباك تجاه واقعها.
أوضحت الدراسات الحديثة أن النرجسية لا تقتصر على الرجال فقط، بل تمتد لتشمل النساء أيضاً، وإن كانت المرأة النرجسية أكثر قدرة على إخفاء اضطرابها. فهي غالباً ما تستخدم قناع العاطفة والدموع لتبرير تصرفاتها، مما يجعل اكتشاف حقيقتها أمراً في غاية الصعوبة على المحيطين بها.
النرجسي شخص يعاني من اضطراب نفسي ينعكس على شكل صفات تلازمه، ولا ينتج عن ظرف عابر أو موقف محدد.
تعتبر التربية المنزلية العامل الأساسي في تشكيل هذه الشخصية، حيث تسهم البيئة التي تعتمد على التنمر أو المقارنة المستمرة بالآخرين في خلق طفل مضطرب. هذا السلوك يولد شعوراً بالنقص يحاول الطفل تعويضه مستقبلاً عبر الكذب أو تضخم الذات الوهمي للهروب من واقعه المؤلم.
عند اختيار الشريك، يبحث النرجسي بعناية عمن يمتلك شخصية ضعيفة أو تقديراً منخفضاً للذات ليسهل عليه ممارسة أدوار السيطرة. هو لا ينجذب لأمثاله من النرجسيين، بل يبحث عن الشخصيات التي تمتلك نزعة 'الإصلاح' أو التي تشعر بالذنب سريعاً، ليتمكن من قلب الطاولة عليهم عند وقوع أي خلاف.
تبدأ العلاقة مع النرجسي عادة بما يسمى 'الإغراق العاطفي'، حيث يغمر الشريك بالاهتمام المبالغ فيه ليشكل لديه حالة من الإدمان النفسي. الهدف من هذا السلوك هو خلق فراغ هائل عند انسحابه المفاجئ، مما يمنحه لاحقاً القدرة على التحكم الكامل في مشاعر وردود أفعال الطرف الآخر.
من الإشارات الحمراء الخطيرة التي يجب التنبه لها هي محاولة النرجسي عزل شريكه عن محيطه الاجتماعي من أهل وأصدقاء. هو يسعى لخلق فجوات ومشكلات مفتعلة مع الجيران والأقارب، ليضمن بقاء الضحية وحيدة وبلا شبكة دعم حقيقية عندما يبدأ في ممارسة ضغوطه القاسية.
نادراً ما يتوجه الشخص النرجسي إلى العيادات النفسية بملء إرادته، وغالباً ما يكون ضحاياه هم من يبحثون عن العلاج من آثار الصدمات. وفي الحالات القليلة التي يطلب فيها النرجسي المساعدة، يكون ذلك نتيجة تعرضه لخسارة كبرى أو بقائه وحيداً بعد نفور الجميع من حوله.
قد تظهر على النرجسي سمات تبدو إيجابية ظاهرياً مثل القيادة والنجاح المهني، لكنها غالباً ما تنبع من رغبته في التفرد والسيطرة. وفي بيئات العمل الجماعي، تتحول علاقاته إلى صراعات مستمرة بسبب عدم قدرته على العمل بروح الفريق وحاجته الدائمة لإثبات تفوقه على زملائه.
تنصح الدكتورة عبد العزيز بضرورة وضع حدود حازمة في التعامل مع هذه الشخصيات، أو الابتعاد تماماً إذا كانت العلاقة تهدد النمو المهني أو النفسي. وفي حال تعذر الانفصال، يجب تقليل الاحتكاك إلى أدنى مستوياته والحفاظ على شبكة دعم اجتماعي قوية لحماية النفس من الاستنزاف العاطفي المستمر.





شارك برأيك
خلف قناع المثالية.. كيف تكتشف الشخصية النرجسية وتنجو من فخ التلاعب؟