تشهد أروقة الحكم في واشنطن وتل أبيب تحولاً لافتاً في طبيعة الخطاب الموجه ضد إيران، حيث لم تعد الأهداف مقتصرة على الملفين النووي والصاروخي، بل امتدت لتكتسي طابعاً دينياً يوحي بخوض 'حرب مقدسة'. وتتجلى هذه المظاهر في إحاطة الرئيس دونالد ترامب بقادة دينيين يشاركون في صلوات رسمية داخل البيت الأبيض، مما يعكس حالة من التعبئة ذات الواجهة المسيحية الإنجيلية لدعم التوجهات العسكرية للإدارة الأمريكية.
وفي الجانب الإسرائيلي، لا يبدو المشهد مختلفاً، إذ كثف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من استخدام الإشارات التوراتية في خطاباته منذ اندلاع المواجهة الأخيرة. وقد برز ذلك بوضوح قبيل عيد الفصح اليهودي، حينما عقد مقارنة تاريخية ودينية بين الحرب الحالية على طهران وقصة نجاة بني إسرائيل من فرعون، في محاولة لإضفاء شرعية دينية على التحركات العسكرية الجارية.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تُعرف رسمياً كدولة علمانية، إلا أن الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ساهم في تقريب الخطاب الديني من التوجهات السياسية بشكل غير مسبوق. وقد رصدت مصادر إعلامية احتفالات دينية في البيت الأبيض خلال 'أسبوع الآلام'، تضمنت صلوات علنية تطلب 'النصر' لترامب باعتباره الشخص الذي تم تهيئته لهذه اللحظة التاريخية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بعد تسريب مقاطع مصورة لهذه الطقوس.
وتكتسب هذه النبرة الدينية حساسية مضاعفة نظراً لأن الأطراف المنخرطة في الصراع تمثل الأديان التوحيدية الثلاثة الكبرى التي نشأت في الشرق الأوسط. هذا التداخل بين المعتقد والدبلوماسية العسكرية يضع المنطقة أمام مشهد معقد يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية إلى صراع هويات وقيم دينية متجذرة، مما يزيد من صعوبة الحلول الدبلوماسية.
ويعد وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أحد أبرز الوجوه التي تتبنى هذا الخطاب الديني المتشدد داخل الإدارة. فقد دعا هيغسيث في مناسبات رسمية للصلاة من أجل الجنود الأمريكيين في الخليج مستخدماً صيغاً دينية محددة، متجاهلاً التنوع العقائدي داخل صفوف الجيش الأمريكي، وهو ما اعتبره مراقبون خروجاً عن التقاليد العسكرية المتبعة.
ويستند هيغسيث في رؤيته إلى نصوص من 'سفر المزامير'، حيث يستحضر صلوات النبي داود أثناء قتاله لأعدائه، مشبهاً الواقع الحالي بالحروب الواردة في الكتاب المقدس. كما صرح في مقابلات إعلامية بأنه يواجه 'متطرفين' يسعون لامتلاك قدرات نووية تمهيداً لمعركة 'هرمجيدون'، وهي معركة آخر الزمان في المعتقد المسيحي الصهيوني.
تاريخ هيغسيث العسكري والفكري يعزز هذا التوجه، فقبل توليه حقيبة الدفاع، خدم كضابط مشاة في العراق وأفغانستان، وحمل أوشاماً لرموز مسيحية مرتبطة بزمن الحملات الصليبية، مثل 'صليب القدس'. كما ألف كتاباً بعنوان 'الحملات الصليبية الأمريكية'، وجه فيه نداءً للدفاع عن الحضارة الغربية ضد ما وصفه بالتراجع والتهديدات الخارجية والداخلية.
يا أبانا، لقد رفعت دونالد ترامب، لقد هيأته للحظة كهذه، ونصلي يا أبانا أن تمنحه النصر.
هذا الخلط المتزايد بين الدين والسياسة أثار انتقادات حادة من قبل أكاديميين ورجال دين سابقين في المؤسسة العسكرية الأمريكية. ويرى خبراء أن فرض رؤية دينية معينة داخل مؤسسة وطنية كالجيش يمثل إساءة استخدام للسلطة ونقصاً في احترام التنوع الذي تقوم عليه الأمة الأمريكية، محذرين من تداعيات ذلك على تماسك القوات المسلحة.
وعلى الصعيد الدولي، دخل الفاتيكان على خط الأزمة من خلال تصريحات للبابا ليو الرابع عشر، أكد فيها أن الله لا يحب الحرب ولا يمكن استخدامه لتبرير النزاعات المسلحة. هذا الموقف يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مع مرجعيات دينية عالمية ترفض تسييس المعتقدات لخدمة أهداف جيوسياسية أو عسكرية.
ورغم الانتقادات، تواصل إدارة ترامب الدفاع عن نهجها، حيث اعتبرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت أن الصلاة من أجل القوات المسلحة هي عمل نبيل يعكس قيم المجتمع الأمريكي. ورفضت ليفيت التلميحات التي تشير إلى أن هذا السلوك يغذي الصراعات الدينية، مؤكدة على حق الرئيس في ممارسة شعائره ودعوة الآخرين للمشاركة فيها.
ومن المقرر أن يتوج هذا التوجه بتجمع ضخم في واشنطن منتصف شهر مايو المقبل، حيث يعتزم ترامب قيادة صلاة وطنية تهدف إلى 'إعادة تكريس أمريكا لله'. هذا الحدث يراه محللون بمثابة إعلان رسمي عن تحول السياسة الخارجية الأمريكية نحو 'المسيحية القومية' التي ترى في الصراعات الدولية امتداداً لنبوءات دينية.
في المقابل، تجد إيران نفسها في قلب هذا الخطاب بصفتها 'جمهورية إسلامية' يقودها مرشد أعلى يجمع بين السلطتين الروحية والزمنية. هذا التقابل في الخطاب الديني بين واشنطن وطهران يحول الصراع من تنافس على النفوذ الإقليمي إلى مواجهة عقائدية مفتوحة، حيث يرى كل طرف في نفسه ممثلاً لإرادة إلهية في مواجهة 'الشر'.
إن استحضار مصطلحات مثل 'الحملات الصليبية' و'هرمجيدون' يعيد إلى الأذهان صراعات تاريخية مريرة، ويضعف فرص الحوار العقلاني المبني على المصالح المشتركة. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد اللفظي قد يؤدي إلى انزلاقات عسكرية غير محسوبة، مدفوعة بقناعات غيبية تتجاوز الحسابات الاستراتيجية التقليدية للدول.
ختاماً، يبقى السؤال حول مدى تأثير هذا الخطاب على حلفاء واشنطن في المنطقة والعالم، خاصة أولئك الذين يخشون من تحول الصراع السياسي إلى حرب دينية شاملة. فبينما تستمر الاستعدادات العسكرية على الأرض، تظل 'الحرب المقدسة' التي تروج لها بعض الأطراف في واشنطن وتل أبيب هي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.





شارك برأيك
صبغة دينية تغلف المواجهة: كيف تحولت الحرب الأمريكية على إيران إلى 'معركة مقدسة' في عهد ترامب؟