في ظل تشديد الحصار الإسرائيلي وتدمير البنية التحتية ومقومات الحياة في قطاع غزة، ابتكر النازحون الفلسطينيون حلولاً ذاتية لمواجهة شبح المجاعة. حيث استغل الكثيرون المساحات الضيقة بين خيام النزوح لتحويلها إلى حواكير زراعية صغيرة تنتج ما يسد رمق أطفالهم من الخضروات الأساسية.
وتأتي هذه المبادرات الفردية رداً على النقص الحاد في السلع الغذائية والارتفاع الجنوني في الأسعار، فضلاً عن تحكم سلطات الاحتلال في كميات ونوعية المواد الداخلة إلى القطاع. وقد نجحت عائلات نازحة في استنبات أصناف متنوعة من الخضار التي تضمن لهم الحد الأدنى من البقاء على قيد الحياة في ظروف قاسية.
في منطقة مواصي خان يونس جنوبي القطاع، تبرز تجربة السيدة وضحة عوض البالغة من العمر 57 عاماً، والتي شرعت في زراعة قطعة أرض صغيرة تحيط بخيمتها. توضح عوض أن حاجتها لتوفير طعام طازج لعائلتها دفعتها لشراء الأشتال وزراعتها، مؤكدة أن نجاح التجربة شجعها على التوسع في زراعة أنواع مختلفة.
وتشمل المزرعة المصغرة أصنافاً متعددة مثل الطماطم والباذنجان والبطاطس، بالإضافة إلى الورقيات كالنعناع والبقدونس والسلق والسبانخ. وأفادت مصادر ميدانية بأن هذه المحاصيل ساهمت في تحقيق اكتفاء ذاتي نسبي للعائلة، بل وامتد أثرها لمساعدة الجيران في مخيم النزوح الذين يفتقرون للقدرة الشرائية.
وعن التحديات التقنية، أشارت عوض إلى غياب المبيدات الحشرية والأسمدة بسبب الحصار، مما دفعها لاستخدام بدائل تقليدية مثل رماد النار لحماية النباتات. وقد أثبتت هذه الوسائل البدائية فاعليتها في قتل الحشرات الضارة وضمان نمو الزرع بشكل طبيعي وخالٍ من المواد الكيميائية.
الجلوس بين الخضار يجلب الراحة، وقد وفرت لنا هذه المزرعة المتواضعة ما نحتاجه من أصناف مفقودة وباهظة الثمن في الأسواق.
ولم تكتفِ السيدة الخمسينية بزراعة الخضروات الموسمية، بل قامت بغرس شتلات من شجر الزيتون أمام خيمتها، في خطوة رمزية لتعويض ما دمره الاحتلال في أرضها الأصلية بمنطقة القرارة. وتعبر هذه الخطوة عن إصرار الفلسطينيين على إعادة بناء حياتهم رغم آلات الدمار التي استهدفت مزارعهم وبيوتهم.
وعلى الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، إلا أن جيش الاحتلال يواصل انتهاكاته اليومية عبر استهداف المدنيين. وتستمر العمليات العسكرية الممنهجة في تدمير القطاعات الحيوية، بما في ذلك نسف المربعات السكنية وتجريف ما تبقى من أراضٍ زراعية في المناطق الحدودية.
وتشير الإحصائيات الأخيرة الصادرة عن وزارة الصحة إلى فداحة الخسائر البشرية، حيث ارتفع عدد الشهداء إلى أكثر من 72,285 شهيداً، فيما تجاوز عدد المصابين 172,028 شخصاً. وتؤكد المصادر أن آلاف المفقودين لا يزالون تحت الأنقاض، في ظل عجز الطواقم عن انتشالهم بسبب استمرار الاستهدافات.
وتبقى مبادرات الزراعة بين الخيام صرخة صمود في وجه سياسة التجويع الممنهجة التي يمارسها الاحتلال ضد سكان القطاع. وتدعو الأمهات في المخيمات إلى استغلال كل شبر متاح للزراعة، ليس فقط لتوفير الغذاء، بل لما يجلبه الخضار من راحة نفسية في بيئة يكسوها الركام والدمار.





شارك برأيك
الزراعة بين الخيام.. سلاح النازحين في غزة لمواجهة الحصار وشح الغذاء