لم يعد الاغتيال في السلوك الاسرائيلي اداة تستخدم عند الحاجة ، بل عقيدة قائمة بذاتها، تختصر السياسة في لحظة، والاستراتيجية في هدف، والصراع في شخص، فحين تتعقد الوقائع على الارض، يعاد انتاج نفس الحل، عقيدة تقوم على فكرة تبدو مغرية ببساطتها، اذا سقط القائد سينهار التنظيم، واذا ازيل الراس يتفكك الجسد، لكن التجربة الطويلة تقول خلاف ذلك، قُتل القادة وبقيت التنظيمات، بل وعادت بشكل اكثر تماسكا وقدرة على التكيف.
منذ السبعينيات امتدت الاغتيالات لقلب العواصم الاوروبية، لكسر البنية القيادية للمقاومة الفلسطينية وحرمانها من اي عمق آمن، غير ان النتيجة نقلتها الى مراحل اكثر تعقيدا، لاحقا في بيروت، استهدفت قيادات بارزة، لكن ذلك لم ينه حضورها السياسي او العسكري، بل اعاد تشكيلها.
في غزة طُبقت بشكل غير مسبوق، لم يؤد اغتيال قيادات الصف الاول الى انهاء الفصائل، بل اعاد انتاجها بسرعة لافتة وبشكل اكثر تعقيدا، فالتنظيمات التي فقدت قادتها تعلمت كيف تعمل بلامركزية، ما يجعل استهدافها اكثر صعوبة، والنتيجة لم تكن تفككا كما اريد، بل بنية اكثر مرونة.
في لبنان لاحقا، تكررت المعادلة نفسها، اغتيال قادة سياسيين وعسكريين لم يفض الى ردع، بل توسيع دائرة المواجهة ورفع سقف الردود، ومع كل عملية اغتيال كانت الجبهة تنزلق خطوة اضافية نحو التصعيد، وفي اليمن لم يكن المشهد مختلفا، بل تزامن مع استمرارها وتوسعها في مؤشر واضح على ان بنية هذه الجماعات لا تعتمد على افراد بقدر اعتمادها على شبكات قابلة للتجدد.
مؤخرا في ايران، اخذت هذه السياسة بعدا اخر، انتقلت من استهداف التنظيمات الى استهداف الدول، فاغتيال العلماء والقادة والعمليات داخل العمق الايراني نقل المواجهة من مستوى الحرب السرية الى المواجهة المباشرة، وكسرت قواعد الاشتباك، ما سيكون لها تبعات مستقبلا، خاصة عند الحديث عن اغتيال الساسة كالمرشد.
الولايات المتحدة ايضا استهدفت تنظيم القاعدة، ما مهد الطريق لظهور تنظيمات اكثر تطرفا، والحال ذاته في افغانستان، لم تحل عقود من الاغتيالات دون عودة طالبان للحكم، والحال ذاته في مناطق اخرى حول العالم، وبالتالي فان الاغتيالات ساهمت بنقل الصراعات باتجاه أنماط لامركزية واكثر تعقيدا.
حصيلة هذه التجارب توحي بوجود خلل في الفرضية الاساسية، لا التطبيق، فرضية ان الصراع يمكن تفكيكه عبر استهداف شخص او اشخاص، بينما هو في حقيقته مرتبط ببنية اوسع، قضية وبيئة اجتماعية، وبالتالي دوافع متجددة، لذلك فان ازالة الافراد لا ينهي هذه الظاهرة، بل يغير شكلها.
هذه السياسة تمنح شعورا فوريا بالإنجاز او النشوة، تبدأ بصورة الهدف مرفقا بخطاب الردع، والرسالة المباشرة بان الوصول الى كل مكان ممكن، لكنها في الوقت نفسه تخلق ديناميكيات معاكسة، تبدأ بتحويل القادة الى رموز، ثم رفع منسوب الغضب، وتوسيع قاعدة التجنيد، وهكذا يتحول "النجاح التكتيكي" الآني الى خسارة استراتيجية مؤجلة.
بمرور الوقت لم يعد الاغتيال مجرد خيار، بل بديلا لغياب الخيارات، وكلما تعقد الصراع تم اللجوء اليه بكثرة، وكلما ثبتت محدوديته توسع استخدامه بدل مراجعته، وكأن المسالة باتت تكرار الفعل وتوقع نتيجة مختلفة، وفي هذه الحالة، قد لا يكون الخطر الحقيقي في فشل الاغتيال، بل في "نجاحه"، ما سيفتح الباب لما لا يمكن توقعه او احتواؤه.
وبالتالي فان المشكلة لا تكمن في القدرة على الاغتيال، بل في الاعتقاد بانه هو الحل، لهذا يبقى السؤال الذي يتكرر دون اجابة مقنعة، اذا كان القتل هو الحل، فلماذا لا ينتهي اي شيء؟
أقلام وأراء
الخميس 19 مارس 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
عقيدة الاغتيال: القتل كبديل للفشل المستمر