أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا تُغلق غزة في وجه الصحافة العالمية بعد سقوط السردية الإسرائيلية؟

في كل حرب تشنها إسرائيل تحاول أن تُمسك بالسلاح وبالصورة معاً لأن السيطرة على الميدان لم تعد كافية من دون السيطرة على الرواية، ومن هنا لا يمكن فهم قرار منع الصحفيين الدوليين من دخول غزة باعتباره إجراءً أمنياً، بل كخيار سياسي واعٍ يهدف إلى حجب الحقيقة ومنع العالم من رؤية ما لا تريد إسرائيل أن يُرى.

الذريعة الإسرائيلية الجاهزة هي الدواعي الأمنية، وهي عبارة استُهلكت حتى فقدت معناها، إذ كيف يمكن لدولة تزعم أنها تملك واحداً من أقوى الجيوش في العالم وأحدث أنظمة المراقبة والاستخبارات أن تخشى من الصورة أو من قلم يكشف الحقيقة، أن الخوف ليس من خطر أمني، بل من خطر أخلاقي وسياسي يتمثل في انكشاف حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، وفي مقدمتها التدمير الشامل والإبادة المفتوحة التي باتت سياسة مُعلنة لا مجرد نتائج جانبية للحرب.

إن منع الصحافة الدولية من دخول الى غزة يعكس تحوّلاً عميقاً في صورة إسرائيل ومكانتها في العالم، فالكيان الذي بنا سرديته لعقود على فكرة الدفاع عن النفس والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط بات اليوم يدرك أن هذه الرواية لم تعد قابلة للتسويق أمام صور قتل الأطفال والمجوعيين والمستشفيات المدمرة، والمخيمات التي تحولت إلى مقابر جماعية لأن الصورة أقوى من أي بيان عسكري وأصدق من أي رواية رسمية.

لقد أدركت إسرائيل أن وجود الصحفيين في غزة يعني انتقال المعركة إلى ساحة الوعي العالمي،  حيث لا تفيد الدعاية ولا تنفع اللغة القانونية الملتوية، فالكاميرا ستنقل الدمار كما هو، والعدسة ستلتقط تفاصيل الإبادة اليومية التي لا يمكن تبريرها تحت أي عنوان أمني أو عسكري، وهو ما يفسر هذا الإصرار على العزل والتعتيم واحتكار الرواية عبر ناطقين رسميين ومنصات إعلامية منحازة.

الخوف الإسرائيلي من الصحافة هو خوف من الشهادة، لأن الصحفي ليس مجرد ناقل خبر بل شاهد تاريخي يوثق اللحظة ويمنع طمسها، ومن هنا يصبح منع الصحفيين جزءاً من الجريمة نفسها لأنه محاولة لقتل الحقيقة بالتوازي مع قتل الإنسان، فحين يُمنع الشاهد يُفتح الباب واسعاً أمام ارتكاب المزيد من الفظائع بعيداً عن أعين العالم.

إن ما يجري في غزة اليوم لم يعد مجرد حرب بالمعنى التقليدي بل اختبار حقيقي للضمير العالمي ولحرية الإعلام ولقدرة الحقيقة على الصمود في وجه القوة الغاشمة، ومنع الصحفيين من الدخول ليس دليلاً على قوة إسرائيل بل على هشاشة سرديتها وعلى خوفها العميق بعد أن سقط القناع نهائياً وظهرت صورتها الحقيقية كقوة احتلال تمارس الإبادة وتخشى أن يراها العالم على حقيقتها.

ولهذا فإن معركة الصحفيين لدخول غزة ليست قضية مهنية فحسب، بل معركة سياسية وأخلاقية تتعلق بحق الشعوب في أن تُروى قصتها، وبحق الضحايا في أن يُسمع صوتهم، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل اليوم ليس سلاح المقاومة وحده بل الحقيقة حين تُنقل بلا فلترة وبلا رقابة وبلا خوف.

في النهاية لا يمكن فصل منع الصحفيين عن السياق الأشمل لمحاولة التحكم بالتاريخ او نقل الحقيقة كما هي قبل أن تكتب، فحين تُغلق الأبواب في وجه الحقيقة لا يكون الهدف حماية المجرمين فقط، بل حماية الرواية من الانهيار لأن ما يجري على أرض غزة أكبر من أن يُحتوى في بيانات عسكرية أو يُبرَّر بلغة الأمن، ولذلك تختار إسرائيل العتمة سلاحاً أخيراً في مواجهة الضوء، غير أن العتمة لا تصمد طويلاً، فالحقيقة وإن حوصرت تجد دائماً طريقها إلى العالم، وما يُمنع اليوم من التوثيق سيتحوّل غداً إلى إدانة مكتملة الأركان، وإلى شهادة تاريخية على مرحلة حاول فيها الجلاد أن يكسر المرآة ظناً منه أنه سيُخفي وجهه لكنه لم يفعل سوى تأجيل لحظة الانكشاف.

دلالات

شارك برأيك

لماذا تُغلق غزة في وجه الصحافة العالمية بعد سقوط السردية الإسرائيلية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.