أقلام وأراء

الخميس 05 مارس 2026 5:39 مساءً - بتوقيت القدس

إيران وإدارة الحرب: تجنب إسرائيل وتصعيد إقليمي محسوب

في الحروب، لا تكون الضربات العسكرية مجرد فعل ميداني، بل لغة سياسية مكتوبة بالنار، تحمل رسائل متعددة إلى الخصوم والحلفاء والرأي العام الدولي. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الطريقة التي اختارت بها إيران الرد على الضربات التي تعرضت لها. فمنذ اللحظة الأولى لتوسع المواجهة بينها وبين إسرائيل، بدا واضحًا أن طهران اختارت نمطًا غير متوقع في ردها العسكري. فبدل تركيز ضرباتها على إسرائيل التي بادرت بالهجوم، أو على الأصول العسكرية الأمريكية التي شاركت لاحقًا في العمليات، وسّعت إيران دائرة الرد لتشمل مواقع في دول خليجية ودول أخرى في المنطقة. هذا الخيار يطرح سؤالًا منطقيًا: لماذا توزع إيران ردها بدل تركيزه على الطرف الذي بدأ الحرب؟

من الناحية العسكرية البحتة، يبدو أكثر منطقية أن تتركز الضربات الإيرانية على إسرائيل، باعتبارها الطرف المبادر بالهجوم، وعلى القواعد العسكرية الأمريكية التي دخلت المعركة لاحقًا. فمثل هذا التركيز يمنح الرد وضوحًا سياسيًا وقانونيًا، ويعزز رواية الدفاع عن النفس. لكن ما حدث هو العكس: ضربات موزعة جغرافيًا ورسائل متعددة الاتجاهات، ما يوحي بأن ما يجري يتجاوز مجرد رد عسكري مباشر إلى حسابات استراتيجية أوسع.

التفسير الأول المحتمل هو أن إيران لا تخوض فقط حرب ردع مع إسرائيل، بل تحاول توسيع دائرة الكلفة بحيث لا تبقى المواجهة ثنائية. فعندما تمتد الضربات إلى دول أخرى، تتحول الحرب من صراع بين دولتين إلى أزمة إقليمية متعددة الأطراف. ومن شأن ذلك أن يدفع دولًا عديدة إلى ممارسة ضغط سياسي من أجل وقف التصعيد، خوفًا من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة تمس مصالحها الاقتصادية والأمنية. وبذلك لا تبقى الحرب شأنًا إيرانيًا إسرائيليًا فحسب، بل تتحول إلى أزمة تمس استقرار المنطقة بأكملها.

أما التفسير الثاني فيتعلق بمحاولة تفكيك البيئة الإقليمية الداعمة لإسرائيل والولايات المتحدة. فإيران تدرك أن جزءًا مهمًا من القدرة العسكرية واللوجستية في أي مواجهة يعتمد على شبكة القواعد والبنى التحتية المنتشرة في المنطقة. لذلك قد يكون توجيه ضربات إلى محيط هذه البنية محاولة لرفع كلفة الانخراط في الحرب، وإرسال رسالة واضحة إلى الحكومات المعنية بأن المشاركة في أي جهد عسكري ضد إيران لن تكون بلا ثمن.

أما التفسير الثالث، وربما الأكثر حساسية، فيرتبط بإدارة مستوى التصعيد مع إسرائيل نفسها. فتركيز الضربات بشكل مباشر وكثيف على إسرائيل قد يدفع سريعًا إلى حرب شاملة لا تزال إيران تحاول تجنبها، خصوصًا إذا كان ذلك سيؤدي إلى تدخل أمريكي أوسع. كما أن تحويل المواجهة إلى حرب مباشرة مع إسرائيل قد يعيد تعريف الصراع في الرواية الغربية باعتباره صراعًا وجوديًا، ويعيد إحياء المخاوف في أوروبا والغرب من الخطاب الأيديولوجي الإيراني تجاه إسرائيل. وفي هذه الحالة قد يُنظر إلى الضربات الإيرانية على أنها ترجمة عملية لعداء أيديولوجي قديم، لا مجرد رد على هجوم عسكري.

من هنا قد يكون توزيع الضربات جزءًا من محاولة واعية لإدارة صورة الحرب بقدر إدارة مسارها العسكري. فعندما تبدو العمليات متعددة الاتجاهات وغير مركزة بالكامل على إسرائيل، يصبح من الأسهل سياسيًا تقديمها باعتبارها ردًا دفاعيًا على منظومة عسكرية إقليمية شاركت بدرجات مختلفة في استهداف إيران، لا حربًا موجهة حصريًا نحو إسرائيل أو تهديدًا مباشرًا لوجودها.

غير أن هذه الاستراتيجية، مهما بدت محسوبة، تحمل مخاطر كبيرة أيضًا. فاستهداف دول عربية أو توسيع نطاق الضربات قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تمامًا، إذ يمكن أن يخلق اصطفافات إقليمية أوسع ضد إيران بدل عزل إسرائيل سياسيًا. كما أنه قد يضعف الحجة التي تحاول طهران التمسك بها، وهي أن المواجهة تقع في إطار الرد على عدوان لا في إطار مشروع توسعي.

وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، تبدو الدول العربية، ولا سيما الخليجية منها، في موقع شديد الحساسية. فهي من جهة تصبح جزءًا من مسرح الرسائل الإيرانية العسكرية، سواء عبر استهداف غير مباشر أو عبر الضغط السياسي المرتبط بوجود قواعد أو بنى عسكرية في أراضيها. ومن جهة أخرى، تجد نفسها أيضًا في قلب الحسابات الإسرائيلية، حيث قد يؤدي توسيع دائرة التوتر إلى جر هذه الدول تدريجيًا إلى مواجهة مع إيران تستنزف الطرفين في آن واحد. وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها في موقع المراقب المستفيد من استنزاف خصمين إقليميين دون أن تتحمل الكلفة الأكبر من المواجهة.

ومع ذلك، تبدو الدول العربية حتى الآن حريصة على إدارة هذا التوازن الدقيق بحذر واضح. فالكثير من العواصم العربية، وخصوصًا في الخليج، تدرك أن الانجرار المباشر إلى الصراع لن يخدم استقرارها ولا مصالحها الاقتصادية والأمنية. لذلك تتجه سياساتها إلى تجنب الانخراط في المواجهة، والسعي إلى احتواء التوتر بدل تغذيته، في محاولة للحفاظ على مسافة آمنة من صراع تتجاوز حساباته حدود المنطقة.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن إسرائيل لا تزال تحاول دفع المواجهة نحو مسارات أوسع مما ترغب فيه إيران. فمن خلال توسيع نطاق الاشتباك ورفع مستوى التوتر، تسعى تل أبيب إلى جر طهران إلى ساحات تصعيد لا تريدها، كما تحاول في الوقت نفسه دفع الولايات المتحدة إلى انخراط أعمق في الصراع، واستدراج دول المنطقة إلى الاصطفاف ضمن معادلة مواجهة مفتوحة. وفي مثل هذا المشهد المعقد، قد يتحول الصراع تدريجيًا من مواجهة محدودة إلى شبكة نزاعات متداخلة يجد فيها أكثر من طرف نفسه منخرطًا في حرب لم يكن يسعى إليها بالضرورة.

في النهاية، قد لا يكون ما نشهده مجرد رد عسكري موزع، بل محاولة دقيقة لإدارة معادلة شديدة الحساسية: الرد بما يكفي للحفاظ على الردع، ولكن دون تحويل الحرب إلى مواجهة وجودية مباشرة مع إسرائيل. وبين هذين الحدين تتحرك الاستراتيجية الإيرانية في مساحة ضيقة للغاية، حيث يصبح توزيع الضربات ليس علامة تردد بقدر ما هو أداة سياسية لتمويه الأهداف وإبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها.

غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب، مهما حاولت الأطراف ضبط إيقاعها، كثيرًا ما تنفلت من حسابات من بدأها أو من أراد إدارتها بحذر. ولذلك يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح هذا التكتيك في إبقاء المواجهة ضمن حدود الصراع المحسوب، أم أنه سيتحول إلى خطوة إضافية في مسار تصعيد قد يجر المنطقة كلها إلى حرب أوسع مما أراده الجميع؟

دلالات

شارك برأيك

إيران وإدارة الحرب: تجنب إسرائيل وتصعيد إقليمي محسوب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.