عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 2:33 مساءً - بتوقيت القدس

بين الفانتازيا والطغيان.. رواية 'نونستش' تستحضر سحر المقاومة في لندن المقصوفة

يستمر الأدب الغربي المعاصر في كونه مرآة تعكس أزمات الإنسان الكبرى، حيث تبرز مهمة المبدع في تحويل حطام الحروب إلى فضاءات للتخيل النقدي. في هذا السياق، يأتي الروائي البريطاني فرانسيس سبوفورد ليؤكد قدرة الفن على فضح آليات السلطة وإعادة رسم حدود الممكن عبر مزج التاريخ بالفانتازيا.

تعد رواية 'نونستش' الصادرة عام 2026 أحدث تجليات فكر سبوفورد، الذي اشتهر بقدرته الفائقة على دمج الفلسفة بالمتعة الأدبية. الرواية تغوص في أعماق لندن التي ترزح تحت وطأة الغارات، مستخدمة السحر الأسود كأداة لاستكشاف جذور الفاشية والعلاقات الإنسانية المعقدة في أزمنة الانهيار.

تشير القراءات النقدية إلى أن سبوفورد نجح في تحويل العمل إلى فضاء للتأمل الاجتماعي، حيث يتقاطع البهاء الأدبي مع الظلام التاريخي الدامس. العمل لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يقدم درساً في كيفية استخدام 'البهجة' كفعل مقاومة ضد أنماط السلطة الاستبدادية التي تسعى لتنميط الوعي البشري.

يحمل عنوان الرواية 'نونستش' دلالة لغوية تعني 'الفريد' أو 'الذي لا مثيل له'، وهو ما يعكس طبيعة العالم الروائي الذي بناه الكاتب. هذا الاسم يمنح القارئ إحساساً بالاستثناء، حيث يمتزج الواقع التاريخي المرير لفترة الحرب مع عناصر غرائبية تخلق تجربة قرائية غير مسبوقة في الأدب الحديث.

تنطلق أحداث الرواية في أغسطس 1939، وهي اللحظة التي سبقت تحول الحرب إلى واقع ملموس في شوارع العاصمة البريطانية. نتابع من خلالها شخصية إيريس هوكينز، الموظفة الطموحة التي تجد نفسها وسط دوامة من الأحداث الغريبة بعد لقاءات غير متوقعة في منطقة 'الويست إند'.

تتقاطع مسارات إيريس مع جيفري هيل، المهندس الخجول في هيئة الإذاعة البريطانية، وليدي لالاج كاننغهام، الأرستقراطية التي تخفي ميولاً سياسية مريبة. هذا المثلث البشري يشكل نواة الحكاية التي سرعان ما تتحول إلى فانتازيا جامحة تتجاوز حدود المنطق التقليدي للروايات التاريخية.

تتمحور الحبكة الرئيسية حول مؤامرة 'سحرية فاشية' تهدف إلى استخدام السفر عبر الزمن لاغتيال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. هنا تتشابك الرومانسية مع الغيبيات، وتصبح الهندسة اللاإقليدية وسيلة للمغامرة فوق أسطح المدينة التي تتساقط عليها القنابل مثل المطر الغزير.

تظهر لندن في الرواية كاستعارة كبرى لعالم فقد توازنه ومنطقه، حيث يبدو الواقع العنيف أكثر جنوناً من أي تعويذة سحرية. المدينة ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي كائن حي يعاني من تمزق الهوية بين التكنولوجيا الحديثة والقوى الغيبية التي تحاول السيطرة على المصير.

يعود سبوفورد في هذا العمل إلى أجواء 'البلتز' التي تناولها سابقاً في روايته 'الضوء الدائم'، لكنه يختار هذه المرة مساراً أكثر حرية. فبينما كانت روايته السابقة مثقلة بمصائر أطفال قتلوا في قصف حقيقي، تنطلق 'نونستش' نحو خيال صريح دون التخلي عن البعد التأملي العميق.

يطرح الكاتب تساؤلات جوهرية حول طبيعة القوة، حيث تتجاور في عالمه 'الملائكة مع الأعمال المكتبية' الروتينية. تتحول الطاقة السحرية في النص إلى استعارة عن 'إرادة القوة' التي تغذي الأيديولوجيات الفاشية، مما يفتح الباب أمام نقاش فلسفي حول شهوة السيطرة البشرية.

تتساءل الرواية ضمناً: هل كل ساحر هو بالضرورة متنمّر؟ وهل تعكس الرغبة في امتلاك القوى الخارقة نفس الرغبة في الهيمنة السياسية؟ هذه الأسئلة تظل معلقة، حيث يرفض سبوفورد تقديم إجابات جاهزة، مفضلاً ترك المساحة للقارئ لاستكشاف الروابط بين السحر والاستبداد.

رغم الإشادة الواسعة، سجلت بعض المراجعات تحفظات على بناء الشخصيات، حيث اعتبرت طموح البطلة إيريس غير مقنع في بعض المواقف. كما وُصفت شخصية ليدي كاننغهام بأنها تميل إلى الكاريكاتورية، مما قد يضعف أحياناً من حدة التهديد الدرامي الذي تمثله في سياق القصة.

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تقلل من القيمة الإجمالية للعمل الذي يظل ممتعاً ومثيراً للتفكير في آن واحد. الرواية تنجح في لمس أعماق النفس البشرية وهي تواجه الشر المطلق، مقدمةً الفانتازيا كأداة لمساءلة التاريخ وإعادة قراءته من منظور نقدي مغاير.

في الختام، تبرز 'نونستش' كدعوة صريحة لاستخدام الخيال كوسيلة للمقاومة الفكرية ضد كل أشكال الطغيان. إنها رواية تذكرنا بأن القدرة على الابتكار واللعب الأدبي ليست مجرد ترف، بل هي أدوات ضرورية لمواجهة الظلام وفتح أبواب التفكير الحر في أكثر العصور قتامة.

دلالات

شارك برأيك

بين الفانتازيا والطغيان.. رواية 'نونستش' تستحضر سحر المقاومة في لندن المقصوفة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.