عربي ودولي

الخميس 12 فبراير 2026 10:28 مساءً - بتوقيت القدس

أوروبا والولايات المتحدة.. مخاوف من تصدع الشراكة وسعي نحو الاستقلال الاستراتيجي

ينعقد مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام في ظل أجواء مشحونة بالتوترات الجيوسياسية، وبمشاركة واسعة تضم أكثر من 65 رئيس دولة وحكومة. ويحذر التقرير السنوي للمؤتمر من دخول القارة الأوروبية في حقبة مواجهة طويلة الأمد، نتيجة تصاعد الحرب الروسية والأنشطة الهجينة التي تهدد استقرار النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة.

تشير التقارير الصادرة عن المؤتمر إلى تراجع ملحوظ في ثقة العواصم الأوروبية بواشنطن كحليف استراتيجي وضامن أمني، خاصة في ظل سياسات الرئيس دونالد ترمب. وتواجه الولايات المتحدة اتهامات بإضعاف النظام الدولي وتقليص دورها القيادي، مما يضع القارة أمام تساؤلات مصيرية حول قدرتها على حماية أمنها القومي بشكل مستقل.

في غضون ذلك، دعت الولايات المتحدة حلفاءها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى تبني مفهوم الشراكة بدلاً من التبعية خلال اجتماعات وزراء الدفاع في بروكسل. وتزامن هذا التوجه مع إعلان الحلف عن نقل مراكز قيادة رئيسية إلى ضباط أوروبيين، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في إعادة توزيع الأعباء العسكرية داخل الحلف.

كشفت مصادر مطلعة عن دراسة إدارة ترمب لقرار تاريخي يتمثل في التخلي عن دور القائد الأعلى للناتو في أوروبا، وهو المنصب الذي تشغله واشنطن منذ عام 1951. هذا التحول الجذري يعزز من فرضية سعي الولايات المتحدة لتقليص انخراطها المباشر في الدفاع عن القارة، ودفع الأوروبيين لتحمل مسؤولياتهم الدفاعية بشكل كامل.

أكد الأمين العام للحلف، مارك روته، ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي للحلفاء لمواجهة التهديدات المتزايدة، لا سيما في ظل التوتر المحيط بملف جزيرة غرينلاند. وتتزايد المخاوف الأوروبية من النشاط العسكري الروسي المتصاعد وتأثيراته المباشرة على أمن الطاقة والحدود الشمالية للقارة، مما يستدعي استجابة عسكرية أكثر صرامة.

من جانبه، يرى الدكتور أولريك بروكنر، أستاذ الدراسات الأوروبية أن الصورة القاتمة التي يرسمها تقرير ميونخ قد تكون جزءاً من استراتيجية إعلامية لجذب الانتباه الدولي. وأوضح في تصريحات لمصادر إعلامية أن القلق الأوروبي بشأن العلاقة مع واشنطن حقيقي، حيث لم تعد الروابط عبر الأطلسي بالمتانة التي كانت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

أشار بروكنر إلى أن الأوروبيين يحاولون حالياً صياغة تموضع جديد للاتحاد الأوروبي يهدف إلى تحقيق 'الاستقلال الاستراتيجي'. ويشمل هذا التوجه تغييرات جوهرية في هيكلية الإنفاق الدفاعي وتطوير قدرات عسكرية ذاتية تقلل من الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية التي بدأت تتقلص تدريجياً.

في المقابل، يستبعد نورمان رول، المسؤول السابق في الاستخبارات الأمريكية أن يكون هدف ترمب هو هدم النظام العالمي القائم، بل يسعى لإعادة ترتيبه. ويرى رول أن استراتيجية الأمن الوطني الأمريكي لا تزال تعتبر أوروبا عاملاً أساسياً لازدهار الولايات المتحدة، لكنها تشترط علاقة قائمة على التكافؤ في تحمل التكاليف.

تصر الإدارة الأمريكية الحالية على أن ترفع الدول الأوروبية إنفاقها العسكري ليصل إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو مطلب يثير جدلاً واسعاً في العواصم الأوروبية. وتعتبر واشنطن أن هذا الإجراء ضروري لضمان استمرارية التحالف، مع التركيز على دمج المسائل التجارية ضمن معادلة الأمن القومي المشترك بين الطرفين.

على الصعيد الأكاديمي، يلفت الدكتور عمر عاشور إلى أن المخاوف الأوروبية مبررة تماماً بالنظر إلى العجز عن ردع العدوان على أوكرانيا في محطات سابقة. وأوضح أن الالتزامات الدولية، مثل مذكرة بودابيست، لم تنجح في حماية وحدة الأراضي الأوكرانية، مما كشف عن فجوة كبيرة بين الطموحات السياسية والقدرات العسكرية الفعلية.

يعاني الواقع العسكري الأوروبي من مفارقة تتمثل في توسع النفوذ السياسي للاتحاد الأوروبي مقابل تقلص قوته العسكرية الميدانية على مدار العقود الماضية. وقد أدى الاعتماد الطويل على الولايات المتحدة إلى إضعاف الجاهزية القتالية للدول الأوروبية، وهو ما ظهر جلياً عند اندلاع المواجهات العسكرية الكبرى في شرق القارة.

يبقى التساؤل القائم في أروقة مؤتمر ميونخ هو مدى قدرة المجتمع الدولي على العمل بفاعلية في ظل تراجع القواعد الدولية لصالح منطق القوة. ومع استمرار الخلافات حول ملفات شائكة مثل غرينلاند وتقاسم أعباء الناتو، يبدو أن الطريق نحو 'شراكة حقيقية' بين ضفتي الأطلسي لا يزال محفوفاً بالتحديات السياسية والاقتصادية.

دلالات

شارك برأيك

أوروبا والولايات المتحدة.. مخاوف من تصدع الشراكة وسعي نحو الاستقلال الاستراتيجي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.