أقلام وأراء

الخميس 12 فبراير 2026 11:03 صباحًا - بتوقيت القدس

العمل العام بين الرسالة والنفوذ


ليس العمل العام مجرد وظيفة تُؤدى، ولا منصبًا يُشغل، بل هو مساحة اختبار حقيقية للضمير الإنساني حين يواجه إغراء النفوذ وثقل الرسالة. وبين هذين القطبين — الرسالة والنفوذ — تتحدد قيمة المسؤول، ويتشكل أثره في مؤسسته ووطنه.
فالرسالة تعني الإيمان بأن العمل العام تكليف قبل أن يكون تشريفًا، وأن المنصب أمانة لا امتياز. أما النفوذ، حين يُفهم بمعناه السلبي، فهو تحويل الموقع إلى وسيلة تعزيز ذات، أو منصة لبناء حضور شخصي، أو أداة لتحقيق مصالح ضيقة. وهنا يبدأ التباين: هل نحن أمام مسؤول يرى في موقعه فرصة خدمة، أم فرصة سلطة؟
العمل العام في جوهره فعل إنجاز لا صورة استعراض. هو التزام يومي بتحسين الأداء، ورفع كفاءة المؤسسة، وتجويد الخدمة المقدمة للناس. لأن كل تحسن في الأداء ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، وكل خدمة أفضل تعني ثقة أكبر، وكل ثقة أكبر تعني استقرارًا وتقدمًا وازدهارًا للوطن.
عندما تغلب الرسالة، تتشكل ثقافة مؤسسية قائمة على الإتقان والمساءلة. يصبح القرار مدروسًا، والوقت مقدرًا، والمال العام مصانًا. يعمل الموظف بروح الانتماء لا بروح الانتظار، ويقيس نجاحه بحجم الأثر لا بحجم الظهور. في هذه البيئة، يتحول العمل العام إلى رافعة تنموية حقيقية، لا مجرد جهاز إداري تقليدي.
لكن الواقع لا يخلو من تحديات. فالوظيفة العمومية قد تُحاط أحيانًا بتعقيدات إدارية، وضغوط اجتماعية، وتوقعات عالية. وهنا يظهر الفارق بين من يتخذ من النفوذ درعًا يحتمي به، ومن يتخذ من الرسالة بوصلة يهتدي بها. الأول يبرر الجمود، والثاني يبحث عن فرص الإصلاح ولو بخطوات تدريجية. الأول يحافظ على موقعه، والثاني يسعى لتطوير موقعه.
إن التوفيق بين الانتماء للوطن والعمل من أجله ضمن الوظيفة العامة ليس شعارًا بل ممارسة. يتجسد في النزاهة، في العدالة، في احترام القانون، في الحرص على الوقت، وفي الإيمان بأن كل توقيع على ورقة قد يغيّر حياة إنسان. حين يُدرك المسؤول أن الوطن حاضر في كل قرار، تصبح الرسالة أقوى من النفوذ، والواجب أعلى من المصلحة.
المطلوب اليوم ليس فقط كفاءات إدارية، بل وعي أخلاقي يعيد تعريف النجاح في العمل العام. النجاح ليس في طول البقاء في المنصب، بل في عمق الأثر الذي يتركه صاحبه. ليس في اتساع شبكة العلاقات، بل في اتساع دائرة الخدمة. ليس في النفوذ، بل في الثقة.
فالعمل العام، حين يُدار بروح الرسالة، يبني مؤسسات قوية، ومجتمعًا واثقًا، ووطنًا مزدهرًا. أما حين يُختزل في النفوذ، فإنه يستهلك الطاقات ويضعف الثقة ويؤخر التنمية.
وفي النهاية، يبقى السؤال لكل من يتصدى لمسؤولية عامة: هل أنت حامل رسالة أم باحث  نفوذ؟
الإجابة لا تُعلن، بل تُمارس.
وتاريخ الأوطان لا يخلّد أصحاب المواقع، بل يخلّد أصحاب  الأثر.

دلالات

شارك برأيك

العمل العام بين الرسالة والنفوذ

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.