أقلام وأراء

السّبت 10 يناير 2026 10:58 صباحًا - بتوقيت القدس

إعادة زيارة أوسلو: بين التحديات والاستراتيجيات في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"

في الوقت الذي لا يكاد يمر فيه يوم دون أن نسمع أصواتًا فلسطينية، وعربية، وحتى دولية تنتقد اتفاقيات أوسلو، يظل هناك جانب آخر يجب أن نلقي عليه الضوء، جانب لا يُستَحضَر غالبًا في النقاشات اليومية حول فشل أو نجاح هذه الاتفاقات. فبينما يعتقد البعض أن أوسلو كانت كارثة للفلسطينيين، تأتي الحقيقة لتكشف أن هذه الاتفاقات كانت أكثر من مجرد خطوة نحو السلام، بل كانت في واقع الأمر خطوة استراتيجية لصالح الفلسطينيين، وهو ما يعكسه بشكل غير مباشر موقف اليمين الإسرائيلي الشديد ضدها. وإذا نظرنا بتمعن في سبب هذا الهجوم الإسرائيلي، سنكتشف أن إسرائيل كانت تدرك جيدًا أن أوسلو كانت تهديدًا لوجودها أكثر من أي وقت مضى.

منذ توقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993، كانت ردود الفعل الإسرائيلية، خاصة من التيار اليميني، غاضبة وحادة. كان هناك تصريح متكرر من قادة اليمين يقولون إن أوسلو هي "خيانة" أو "خطأ استراتيجي". على الرغم من أن بعض المنتقدين في العالم العربي والفلسطينيين اعتبروا أن الفلسطينيين لم يحصلوا على ما يستحقون في تلك الاتفاقيات، فإن العداء الإسرائيلي لأوسلو يجب أن يلفت انتباهنا إلى شيء أعمق. مناهضة اليمين الإسرائيلي لأوسلو لم تكن بسبب ضعف الاتفاق أو فقدان إسرائيل لمصالحها، بل كانت بسبب قناعة قوية بأن هذا الاتفاق قد يشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل إسرائيل، ويعني تآكلًا تدريجيًا للهيمنة الإسرائيلية على الأرض. كان اليمين الإسرائيلي يخشى من أن الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل والتحرك نحو حل الدولتين قد يمهد الطريق لتقليص المستوطنات وعودة الحقوق الفلسطينية، وهذا ما كان يشكل كابوسًا سياسيًا حقيقيًا بالنسبة لهم.

لكن أوسلو لم تكن فقط رسالة من الفلسطينيين إلى إسرائيل، بل كانت أيضًا رسالة قوية إلى العالم بأسره. رسالة تفهم الفلسطينيين لأبعاد توازنات القوى العالمية والإقليمية في ذلك الوقت، ورسالة مفادها أنهم على دراية بمفاهيم القوة والضعف في الساحة الدولية، وأنهم يسعون إلى السلام والجيرة بسلام. في ظل واقع كان يفرض فيه الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين الواقع القاسي، كانت أوسلو بمثابة خطوة نحو التوصل إلى تسوية عادلة تعترف بحقوق الفلسطينيين، لكن في الوقت ذاته، كانت دعوة للعالم لكي يلتفت إلى القضية الفلسطينية كقضية شرعية تحتاج إلى حل سياسي يعترف بمطالب الشعب الفلسطيني وتطلعاته.

على الرغم من أن أوسلو كانت خطوة استراتيجية مهمة، إلا أن الفلسطينيين والإسرائيليين لم يديروا هذه الاتفاقات كما كان يجب. فبعض عناصر أوسلو، سواء في صياغتها أو تنفيذها، تم تفويتها أو تم عرقلتها من قبل أطراف داخلية على كلا الجانبين، مما أدى إلى سلسلة من الإخفاقات التي أثرت بشكل كبير على نتائج هذه الاتفاقات. فبينما كانت أوسلو تفتح أبواب الحوار والتفاهم، غابت آليات التنفيذ الفعالة، ولم تُحسن الأطراف المعنية إدارة مخرجات الاتفاق بشكل يضمن سيره في الاتجاه الذي كان مأمولًا. كانت هناك مشكلة واضحة في عدم تنفيذ التزامات الطرفين، خاصة فيما يتعلق بوقف الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وكذلك عدم معالجة قضايا رئيسية مثل القدس واللاجئين. على الجانب الفلسطيني، كانت الانقسامات الداخلية بين الفصائل تمثل عائقًا كبيرًا، في حين أن الجانب الإسرائيلي كان يعاني من غياب الإرادة السياسية لدى بعض قياداته لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بشكل كامل.

ومع مرور الوقت، تحولت أوسلو إلى اتفاق غير مكتمل، وكانت النتيجة أن الصراع استمر في أوجه، بل ازدادت تعقيداته. الأسس التي تم بناء عليها الاتفاق، لم تُحترم بشكل كامل من كلا الطرفين، ما أدى إلى تراكم الإحباطات على الجانبين. الفلسطينيون شعروا أن ما حصلوا عليه من أوسلو لم يكن كافيًا، في حين أن الإسرائيليين شعروا أن التنازلات التي قدموها لم تُترجم إلى نتائج سياسية إيجابية. كان من المفترض أن تفتح أوسلو الطريق نحو حل الدولتين، لكن مع مرور الوقت ظهرت العديد من العراقيل التي جعلت هذا الهدف يبدو بعيد المنال.

لكن الأهم من ذلك كله هو أن القوى المتطرفة على الجانبين، سواء في إسرائيل أو فلسطين، هي التي أفرغت أوسلو من محتواه السياسي وهددت بتدمير أي فرصة لتحقيق السلام. على جانب الفلسطينيين، كانت هناك حركات مقاومة متشددة ترفض الاعتراف بإسرائيل بأي شكل من الأشكال، بل وتعتبر أي اتفاق مع إسرائيل بمثابة خيانة للقضية الفلسطينية. بالمقابل، على الجانب الإسرائيلي، كان هناك تيار قوي من اليمين المتشدد يعتقد أن أي تنازل للفلسطينيين هو تهديد وجودي لإسرائيل. هؤلاء المتطرفون كانوا يخوضون معركة إيديولوجية في معركة "إما نحن أو هم"، وهي الرؤية التي جعلت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يتحول من مجرد نزاع سياسي إلى حالة من العدمية المتبادلة. ومع مرور الوقت، استخدم المتطرفون في كلا الجانبين أقصى ما لديهم من أدوات لتقويض أوسلو، محاولين تدمير أية فرصة للسلام. هؤلاء استخدموا العنف السياسي والعسكري، في مسعى لتقويض العملية السلمية وفرض الواقع بالقوة.

هذا التوجه التصعيدي بلغ ذروته في العديد من الحروب والعمليات العسكرية، وكان أبرزها في حرب غزة التي توجت بها هذه الجهود. التصعيد العسكري، سواء من جانب الجماعات الفلسطينية أو من قبل الجيش الإسرائيلي، كان يعكس إصرارًا على الحفاظ على حالة الجمود أو الاستمرار في التصعيد، بدلاً من البحث عن تسوية دائمة. وبذلك، كانت القوى المتطرفة على كلا الجانبين قد نجحت في تحويل أوسلو من فرصة للسلام إلى سلسلة من الإخفاقات التي لم تقتصر فقط على عرقلة السلام، بل أدت إلى مزيد من الدمار والمعاناة.

ومع مرور الوقت، بدأ الفلسطينيون، على الرغم من جميع التحديات، في بناء قوة ديموغرافية وسياسية داخل الأراضي المحتلة، الأمر الذي أصبح اليوم أحد العوامل الرئيسية في توازن القوة بين الجانبين. بعد توقيع أوسلو، أصبح الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة أكثر قدرة على التأثير في المعادلات السياسية في المنطقة. ورغم أن هذه القوة لم تحقق حلم الدولة الفلسطينية بشكل كامل، إلا أن هذه هي بداية الطريق نحو تأكيد الذات الفلسطينية في الساحة الدولية. لكن في الوقت نفسه، تزداد القوى المتشددة على الجانبين من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في تأثيرها على السياسة اليومية. هؤلاء الذين يرفضون أي نوع من التسوية يظلون يقاتلون من أجل استمرار حالة الصراع، بينما تسعى الغالبية الكبرى من الفلسطينيين والإسرائيليين إلى حلول وسط يمكن أن تضع حداً لهذا الصراع المستمر. وفي ضوء ذلك، من المهم أن نفهم أن أوسلو، رغم ما حملته من تنازلات، كانت خطوة نحو خلق الظروف التي قد تؤدي إلى تحولات جوهرية في صراع استمر لعقود، خاصة وأنها كانت تعني فرض الفلسطينيين على طاولة المفاوضات كطرف سياسي، وهو ما كان أحد أهداف الثورة الفلسطينية الأكبر.

وفي النهاية، تظل أوسلو نقطة تحول استراتيجية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث فشلت بعض القوى في الاعتراف بمنافعها التاريخية في تأمين مكان للفلسطينيين على الساحة الدولية. وعندما نفهم دوافع المتطرفين في محاربة أوسلو، يمكننا أن نرى بوضوح أن هذه الاتفاقات لم تكن مجرد مسعى ضعيف، بل كانت خطوة ناضجة في سبيل تحقيق التوازن السياسي والوجود الفلسطيني في مواجهة قوى الهيمنة الإسرائيلية.

 

دلالات

شارك برأيك

إعادة زيارة أوسلو: بين التحديات والاستراتيجيات في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"

القوى المتطرفة على الجانبين قبل 5 شهر

الرياض - السعودية 🇸🇦

الفلسطيني المتمسك بحقه الأصيل صار متطرفا ومتشددا، أما الناضج المتوازن فهو الذي ما زال ينحدر في درك التنازلات لإرضاء سادة الاستعمار والإرهاب والتدمير والتهجير والعنصرية والكذب وازدراء الشرائع والقرارات والقوانين والاتفاقيات، وما زال

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.