يدور الحديث حول ضرورة الإصلاح، بمعنى إصلاح الهياكل وإصلاح النظم الوظيفية والخدمية، وضبط اللوائح وسنّ القوانين والتشريعات وفق نصوص واضحة صريحة، ومحاربة هدر المال العام، وحماية الاقتصاديات العامة والخاصة، ولا أحد يختلف مع ذلك، بل إنه حاجة وضرورة وطنية، أولًا ودائمًا وأبدًا، لتحقيق نمو واستقرار وعدالة في التوزيع، وصولًا إلى صون الحريات العامة والخاصة، ووضع أركان وأسس تنهض بالواقع الفلسطيني وتؤدي في النهاية إلى حياة كريمة مزدهرة بحرية واستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، وهذا ما يتفق عليه الكل الفلسطيني، ولن يختلف في شأنه أحد. ولكن الإصلاح الذي يتم تداوله من قبل بعض الدول المانحة وغير المانحة، والاشتراطات الموضوعة من قبلهم، لا تحمل محاربة أوجه الفساد أو الارتقاء بالإصلاح المالي والسياسي لخلق واقع أفضل، وبيئة مناسبة، بل هي اشتراطات إذعان تلبي مطالب حكومة الاحتلال، مثلًا بتغيير المناهج بحيث لا تشمل الكتب المدرسية اسم فلسطين أو خريطتها الانتدابية، مرورًا بالتربية الوطنية للأجيال الناشئة بحيث تكون خالية من عاداتنا وتقاليدنا ومفاهيمنا وقيَّمنا، وصولًا إلى كتب التاريخ والجغرافيا واللغة العربية في الشعر والنشيد. ومن وجهة نظر أولئك فإن المنهاج الفلسطيني برمته يحتاج إلى التغيير من أجل ضمان خطة إصلاح تقوم على غسيل أدمغة الأجيال الصاعدة. أما الإصلاحات الأخرى التي يطالبون بها فهي متعلقة بالاقتصاد وكيفية تعاطي السلطة مع شعبها ماليًا، وأوجه الصرف المطالبة أن تستثني عوائل الشهداء والجرحى والأسرى من وصول أيّة أموال، تطعمهم خبزًا أو تعطيهم حقًا في الحياة والتعليم والعلاج والسكن، وهذا أمر يقسّم العلاقة بين السلطة من جهة والفئات التي قدمت التضحيات من أجل بناء كيانية فلسطينية على أرض فلسطين، وعديدة هي المطالب الإصلاحية الدولية الأخرى، منها ما يزيد من تبعية الاقتصاد الفلسطيني وربطه بصورة أكبر بالاقتصاد الإسرائيلي، مع الضغط من أجل إفقار المجتمع الفلسطيني وخنقه على نحو غير مسبوق، وكنتيجة حتمية فإن القبول بكامل الاشتراطات يؤدي إلى انهيار المنظومة الفلسطينية ويضرب تماسكها، تمامًا مثل القبول بتلك الاشتراطات الآثمة، وبين أمرين أحلاهما مُرّ، فإن المطلوب خلق حالة من التوازن حتى تهدأ العاصفة، لعل العالم يعود إلى نقطة توازن بدلًا من هذا الانحياز غير المنطقي وغير الأخلاقي.
إن عمليات الإصلاح فعل دائم وهي أمل الشعوب، بحيث تضمن تعزيز دور الشفافية وتطبيق النماذج المثلى لتحقيق العدالة الاجتماعية والاستثمار بالإنسان لخلق نماذج مبدعة قادرة على استنهاض المجتمع. وليس الإصلاح من منظور الدول المانحة التي تضع شروطها غير الواقعية، والتي تضرب جملة القيم الوطنية والإنسانية ولا تحقق أي نوع من العدالة، بل تضرب عصب المجتمع الفلسطيني وتقسمه في تماهٍ تام مع شروط الاحتلال الساعي إلى طمس معالم الهوية الوطنية الفلسطينية.
لا تأتي الإصلاحات عن طريق الإملاءات الخارجية وسياسات الضغط والتهديدات بمعظم أشكالها، بل هي إرادة وطنية حقيقية، وهي عملية داخلية دائمة متطورة بتطور الزمن والسنوات، وليست مرتبطة بمعونات ومنح مالية وغيرها من اشتراطات المانحين. ولهذا فإننا صحيح بحاجة إلى إصلاحات في مختلف المجالات، ولكن ليست الإصلاحات المطلوبة من قبل الاحتلال والمانحين، بل الإصلاحات التي تحارب الآفات والظواهر السلبية وتحارب الفساد الإداري والمالي، وتتيح الفرص للشباب الفلسطيني الذي يعاني من البطالة والتعطل عن العمل، وغيرها الكثير من الآفات التي بالإمكان محاربتها لتعزيز الصمود، وتمكين الناس من العيش بحرية وكرامة، وإخراجهم من حالات العوز، وتطوير المناهج على قاعدة التقدم العلمي، لا على شروط طمس معالم الهوية الفلسطينية.
الواقع الصعب، وسياسة الخنق السياسي والاقتصادي، يضعان السلطة في حالة ضعف، الهدف منها هو الحصول على الكثير من الموافقات سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ورفضها يعني زيادة الضعف الذي يتهدد السلطة بمعناها، وما تشكله من حالة مؤسِّسة للدولة الفلسطينية، وللكيانية الوطنية. وأمام خيارين يبقى الترقب في المنتصف ليس هو الحل الأمثل، خاصة في ظل التساؤلات القائمة حول جدوى الصمت، وما هي السياسات القادمة الممكنة في ظل التحولات الدولية، وهل بالإمكان تجاوز اشتراطات المانحين، أم الحل الوحيد هو القبول والتسليم بها؟
——————————————————————
لا تأتي الإصلاحات عن طريق الإملاءات الخارجية وسياسات الضغط والتهديدات بمعظم أشكالها، بل هي إرادة وطنية حقيقية، وهي عملية داخلية دائمة متطورة بتطور الزمن والسنوات، وليست مرتبطة بمعونات ومنح مالية وغيرها من اشتراطات المانحين
أقلام وأراء
الخميس 08 يناير 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الإصلاح من منظور وطني