أقلام وأراء

الجمعة 05 ديسمبر 2025 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

جنود قتلة يتحولون إلى أيقونات ومجتمع يغرق في الفاشية

في مشهد يكشف عمق التحول البنيوي داخل المجتمع الإسرائيلي، أطلق ناشطون وحركات يمينية حملة دعم واسعة للجنود الذين أعدموا الشابين الفلسطينيين في جنين، وكأن دم الفلسطيني بات مناسبة للاحتفال لا للمساءلة، الحملة التي انتشرت كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي لم تُخفِ هدفها الأساسي وهو إعادة تعريف الجريمة باعتبارها بطولة، وتحويل عمليات الإعدام الميداني إلى ممارسة مشروعة تُقام لها حملات التأييد بدل لجان التحقيق.

 رفع المشاركون شعاراً واحداً صارخاً يقول "ارفعوا أيديكم عن مقاتلينا" في محاولة واضحة لخلق جدار حماية نفسي وسياسي حول كل جندي يطلق النار على فلسطيني أعزل ومن ثم يُصوَّر كضحية لمجتمع دولي فاقد للأخلاق.

يتكشف من هذه الحملة أن إسرائيل لم تعد فقط مجتمعاً يعيش على العنف بل مجتمع يعيد إنتاج العنف كهوية جامعة وكقيمة أخلاقية عليا، فحين يجري تقديم من نفذوا إعدامات موثقة على أنهم يحاربون من أجل “أمن الدولة”، يصبح القتل آخر خطوط الدفاع عن سردية الاحتلال، وتتحول الأخلاق إلى عبء يجب التخلص منه، وتصبح المساءلة فعلاً مضاداً للوطن، وفي الجوهر تعكس هذه الحملة انتقال إسرائيل من دولة تبرر الجرائم إلى مجتمع يحتفل بها ويعتبر كل مساءلة مجرد تهديد لجيش يرى نفسه فوق القانون وفوق الإنسانية.

المقلق أن هذا التيار لم يعد هامشياً بل صار يمثل المزاج العام لقطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي الذي يزداد تطرفاً مع كل جولة دم جديدة، فالتحريض اليوم لم يعد خطاباً نخبوياً بل نزعة جماعية منظمة تُنتج شعارات وتجمع توقيعات وتملأ المنصات الرقمية بكلام لا يقل توحشاً عن الفعل نفسه، وفي ظل هذا المناخ يصبح الفلسطيني ليس ضحية لطلقة جندي فقط بل ضحية لرؤية كاملة تعتبر وجوده خطأ تاريخياً يجب تصحيحه بالقوة، ويصبح الإعدام الميداني مجرد فصل جديد من سياسة إلغاء الآخر وإحلال العنف محل القانون.

بهذه الحملة تكشف إسرائيل مرة أخرى أنها ليست دولة عسكرية فحسب بل مجتمع بأكمله يتجه نحو الفاشية المفتوحة، وأن الخطر الحقيقي لم يعد في قرار جندي ضغط على الزناد بل في جمهور كامل يصفق له ويطالبه بالمضي إلى الأمام، مجتمع يرفض أن يرى الحقيقة ويخشى أن يعترف بأن الاحتلال لا يمكن أن يُقوَّم إلا بإنهائه، وأن قتل الفلسطيني لن يصنع لإسرائيل أمناً ولا أخلاقاً، بل سيعمّق انهيارها الأخلاقي وهي تتجه بثبات نحو هاوية العنصرية المنظمة.

في النهاية، يبدو أن ما جرى في جنين وقبلها قي غزة وفي كل أرض فلسطين المحتلة، لم يكن مجرد جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال، بل كان مرآة كشفت حقيقة مجتمع كامل اختار أن يدافع عن القتلة لأنهم يجسدون صورته العميقة كما يريدها أن تكون، صورة القوة العمياء التي لا تُسائل نفسها ولا تسمح للضمير بأن يتدخل في مسار الدم، لقد تحوّل الجندي الذي ضغط على الزناد إلى رمز، وتحول الضحية إلى صمت، وتحول المجتمع إلى كتلة صلبة من الفاشية التي تبرر كل شيء وتخشى فقط الحقيقة، وما بين قاتلٍ يحتفى به وضحيةٍ يُمحى اسمها، تتضح الهوة بين شعب يقاوم للبقاء وشعب آخر ينهار من الداخل وهو يركض خلف وهم التفوق.

ستكتب الأيام أن إسرائيل لم تسقط أخلاقياً حين مجدت القتلة، بل حين خرج المجتمع كله ليصفق للجريمة ويمنح القتلة لقب الأيقونات، بل كشفت عري دولة كاملة تخلت عن إنسانيتها لتؤسّس وجودها على الخوف والإنكار والدم، وسيبقى الفلسطيني شاهداً على هذا الانهيار، ليس لأنه يحب الشهادة على سقوط الآخرين، بل لأنه يعيش في مواجهة كيان يظن أن القتل هو طريق الخلود، بينما الحقيقة أن كل جريمة جديدة تقربه أكثر من نهايته الأخلاقية والسياسية.

دلالات

شارك برأيك

جنود قتلة يتحولون إلى أيقونات ومجتمع يغرق في الفاشية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.