يتحدث العالم اليوم عن الذكاء الاصطناعي وكأنه الكائن الأذكى على الكوكب، القادر على الكتابة والتحليل واتخاذ القرار، لكنه في الحقيقة كأي عقل آخر، لا يمكنه أن يتفوق إلا بقدر ما يتغذى من معرفة نقية ومصادر موثوقة. فحين تبدأ هذه النماذج العملاقة في التهام كميات هائلة من البيانات الرديئة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، يبدأ الذكاء بالتحول إلى نوع آخر من الغباء المصنّع.
تحذر دراسات حديثة من ظاهرة أطلق عليها الباحثون "تدهور النماذج" أو Model Collapse، وهي حالة يفقد فيها الذكاء الاصطناعي قدرته على التحليل المنطقي والإبداعي بسبب تدريبه على بيانات متكررة أو سطحية، ففي دراسة نُشرت مؤخرًا على خادم ما قبل الطباعة arXiv ونقلتها مجلة Nature، وجد علماء من جامعة تكساس في أوستن أن النماذج اللغوية الكبيرة، مثل تلك التي تشغّل تطبيقات المحادثة الذكية، تبدأ بالتصرف بطريقة أقل دقة وأكثر ميلا للأخطاء حين تُغذى بمحتوى منخفض الجودة، كالتغريدات القصيرة المليئة بالإثارة أو النقاشات العشوائية المنتشرة على المنصات الرقمية.
ويفسر الباحثون ذلك بأن الذكاء الاصطناعي يتعلّم من النصوص التي يراها، فيستنتج منها أنماط اللغة والفكر والسلوك، فإذا كانت هذه النصوص مليئة بالتناقضات أو المشاعر السطحية أو المبالغات، فسوف يعتقد النموذج أن هذا هو "الواقع" الذي يجب أن يقلّده. وهكذا نرى الذكاء الاصطناعي يكرر عبارات بلا معنى، أو يختلق معلومات زائفة بثقة عمياء، أو يقدم تفسيرات أخلاقية غير متزنة، بمعنى آخر، يبدأ الذكاء بالتحول إلى صورة رقمية لسطحية المحتوى البشري.
الأمر لا يتعلق فقط بالدقة اللغوية أو المنطقية، بل يمتد إلى ما هو أعمق، مثل فهم السياقات الثقافية واتخاذ المواقف الأخلاقية، فحين تُدرَّب النماذج على نصوص مشحونة بالعنف اللفظي أو التحيز أو التنمر، فإنها تميل بشكل غير مباشر إلى إعادة إنتاج هذه الأنماط في مخرجاتها، وهذا ما يجعل الحديث عن "ذكاء اصطناعي أخلاقي" مرتبطا أولا بنوعية البيانات التي نغذيه بها، وليس فقط بالخوارزميات التي تُشغّله.
وهنا تبرز أهمية الجهود المتخصصة في تهيئة البيانات عالية الجودة، فالشركات التي تعمل في هذا المجال، مثل شركة أقلمة، تلعب دورا جوهريا في بناء ذكاء اصطناعي ناضج وقادر على الفهم الحقيقي. تقوم أقلمة بإعداد وتجهيز أنواع متعددة من البيانات — نصوص وصور وفيديوهات وصوت وتحليل مشاعر — لتكون نظيفة ومنسقة وموثوقة قبل استخدامها في تدريب النماذج. هذه العملية المعروفة بـ Data Curation تشبه تربية طفل على يد معلم حكيم، بدلاً من تركه يتعلم من الشارع.
تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن ما يزيد على 70% من بيانات الإنترنت العامة تعتبر "ضوضاء معلوماتية"، أي أنها غير دقيقة أو غير مفيدة لتدريب النماذج الذكية. ومع تزايد اعتماد الشركات على هذه المصادر المجانية، تتضاعف احتمالات انحراف أداء الأنظمة الاصطناعية، تماما كما تتدهور ذاكرة الإنسان حين يملؤها بالمعلومات المكررة والمضللة. لذلك فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يُقاس فقط بحجم البيانات، بل بجودتها وصدقها واتساقها مع القيم الإنسانية والمعرفية.
يتطلب الحفاظ على ذكاء هذه الأنظمة بناء منظومة بيانات مسؤولة، تُشرف عليها فرق متخصصة في مراجعة المحتوى وتصفية المعلومات وموازنتها، فبدون هذه الطبقة الوقائية، سنصل إلى زمن تتحدث فيه النماذج بطلاقة لكنها لا تفهم، وتستدل لكنها تخطئ، وتُجيب دون أن تُدرك المعنى الحقيقي للسؤال. أي أننا سنعيش في عالم مملوء بالمحادثات الذكية التي لا تقول شيئا.
إن الذكاء الاصطناعي لا يصبح غبياً من تلقاء نفسه، بل حين نغذّيه ببيئة فكرية فاسدة أو نحمله مسؤولية فهم عالم لم نوضّح له معاييره. ولذلك فإن الاستثمار في إعداد البيانات ليس ترفا تقنيا، بل هو حجر الأساس في بناء أنظمة تفكر وتتعلم وتخدم الإنسان بوعي. فحين نحسن تغذية الذكاء الاصطناعي، نمنع غباءه ونمنح المستقبل فرصة أن يكون أذكى منا جميعاً.
* باحث ومتخصص بتقنيات الذكاء الاصطناعي





شارك برأيك
حين يصبح الذكاء الاصطناعي غبياً