أقلام وأراء

الإثنين 27 يوليو 2026 8:08 صباحًا - بتوقيت القدس

لا حلّ عسكريًا


غيرشون باسكن

منذ أجيال، يعيش الإسرائيليون والفلسطينيون أسرى الوهم القاتل نفسه: أن استخدام مزيد من القوة سيجبر الشعب الآخر، في نهاية المطاف، على التخلي عن هويته أو حقوقه أو تطلعاته الوطنية.

هذا لن يحدث.

يمكن للقوة العسكرية أن تدمّر المباني، وتقتل القادة، وتحتل الأراضي، وتفرض الحصار، وتزرع الخوف في مجتمعات بأكملها. ويمكن للكفاح المسلح أن يقتل المدنيين، ويزعزع استقرار المجتمعات، ويفرض قضايا سياسية على جدول الأعمال الدولي. لكن لا يستطيع أي طرف أن يجعل الطرف الآخر يختفي.

لا توجد حلول عسكرية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. هناك عمليات عسكرية، وانتصارات تكتيكية، وهزائم مدمرة، وتغيّرات مؤقتة في موازين القوى. لكن أيًا منها لا يغيّر الحقيقة الأساسية: شعبان يعيشان في الأرض نفسها، ولن يتخلى أي منهما عن مستقبله الوطني.

يقوم الاعتقاد الإسرائيلي بإمكان تحقيق حل عسكري على افتراض أن الضغط الكافي سيدفع الفلسطينيين إلى التخلي عن مطلبهم بالحرية. لكن التاريخ الفلسطيني يثبت العكس. فكلما اشتد الضغط على الفلسطينيين، ازداد تمسكهم بالحرية.

يمكن للقوة العسكرية أن تضعف تنظيمًا، أو تقتل قادته، أو تدمر أسلحته، أو تؤخر مسارًا سياسيًا. لكنها لا تستطيع القضاء على الأسباب التي تدفع الفلسطينيين إلى مقاومة الهيمنة الإسرائيلية.

فالطفل الفلسطيني الذي يكبر تحت القصف، أو الحكم العسكري، أو التهجير، أو الحواجز، أو التوسع الاستيطاني، أو مصادرة الأراضي، أو تدمير الحياة الأسرية، لا يستنتج أن الحرية لم تعد ضرورية. بل يتعلم أنها أصبحت أكثر إلحاحًا.

قد تهزم إسرائيل جماعات فلسطينية مسلحة في معارك محددة، لكنها لا تستطيع قصف تطلع وطني حتى يختفي.

لإسرائيل الحق والواجب في الدفاع عن مواطنيها. ولا يمكن لأي دولة أن تقبل مهاجمة تجمعاتها السكانية، أو قتل المدنيين، أو احتجاز الرهائن، أو إطلاق الصواريخ على سكانها. لكن الدفاع عن النفس ليس استراتيجية سياسية. قد توقف القوة العسكرية هجومًا آنيًا، لكنها لا تستطيع الإجابة عن السؤال الذي يعود فور توقف القتال: ما المستقبل الذي سيعيشه الفلسطينيون؟

أثبتت إسرائيل مرارًا تفوقها العسكري الساحق، ومع ذلك ما تزال تعاني انعدامًا عميقًا للأمن. المشكلة ليست أنها استخدمت قوة أقل مما ينبغي، بل أنها طلبت من القوة أن تنتج أمنًا دائمًا من دون حرية فلسطينية.

وهذا مستحيل.

لن تتمتع إسرائيل بأمن حقيقي ما دام ملايين الفلسطينيين يعيشون بلا سيادة، أو حقوق سياسية، أو قدرة على تقرير مستقبلهم، أو أمل بالاستقلال. فالهيمنة الدائمة تولّد تمردًا متكررًا وقمعًا متكررًا، لا سلامًا.

أما الاعتقاد الفلسطيني بإمكان تحقيق التحرير عسكريًا، فلم يكن أقل تدميرًا.

فالحركات المسلحة التي وعدت بتحرير فلسطين عبر العنف لم تقرّب الفلسطينيين من الحرية، بل جلبت لهم الموت والدمار على نطاق كارثي. وعدت بالكرامة، لكنها خلّفت مدنًا مدمرة، وعائلات مفككة، وتهجيرًا جماعيًا، وجوعًا وفقرًا وأجيالًا ضائعة. وزعمت أن التضحية ستؤدي إلى التحرير، لكن الفلسطينيين العاديين دفعوا الثمن كله تقريبًا.

ما سُمّي بالمقاومة لم يحمِ غزة. بل ساهم في تحويلها إلى ساحة معركة تكبّد فيها الفلسطينيون خسائر لا يمكن تصورها. ولم ينهِ الاحتلال، بل عزز اليمين الإسرائيلي، وأضعف معسكر السلام في إسرائيل، وعمّق الخوف الإسرائيلي، ومكّن القوى الساعية إلى الضم والسيطرة الدائمة.

إن قتل المدنيين الإسرائيليين عمدًا ليس تحريرًا. واحتجاز المدنيين رهائن ليس تحريرًا. وشن هجوم من دون القدرة على حماية السكان من نتائجه المتوقعة ليس قيادة مسؤولة.

للفلسطينيين الحق في النضال من أجل الحرية. لكن ليست كل أشكال النضال أخلاقية أو حكيمة أو فعالة. فالاستراتيجية يجب أن تُقاس بنتائجها.

هل أقامت المقاومة المسلحة دولة فلسطينية؟ هل أوقفت التوسع الاستيطاني؟ هل ضمنت القدس؟ هل بنت مؤسسات ديمقراطية، أو مستشفيات فاعلة، أو مدارس جيدة، أو فرص عمل، أو حرية حركة؟

الإجابة هي: لا.

ولهذا يجب أن يثير الخطاب الأخير لخليل الحية، الزعيم القديم-الجديد لحركة حماس، بعد اختياره رئيسًا لمكتبها السياسي، قلق كل فلسطيني حريص على المستقبل الوطني. فقد أوضح الحية أن حماس تعتزم مواصلة النهج نفسه القائم على الجهاد والكفاح المسلح و«المقاومة». وقدّم هجوم السابع من أكتوبر، لا بوصفه خطأ كارثيًا يتطلب مراجعة صادقة، بل باعتباره مرحلة مجيدة في صراع تاريخي.

ولم يعبّر عن ندم حقيقي على تدمير غزة، ولم يتحمل مسؤولية نتائج قرارات حماس. وبدلًا من ذلك، كرر رؤية قصوى لتحرير فلسطين كلها، وذكر حيفا ويافا وعكا وصفد والناصرة والجليل والمثلث والنقب بوصفها أراضي فلسطينية ستُحرر في نهاية المطاف.

هذه ليست استراتيجية للحرية، بل وصفة لحرب دائمة.

إنها تقول للإسرائيليين إن هدف حماس ليس إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967، أو إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، بل القضاء على دولتهم في نهاية المطاف. ومثل هذه التصريحات تعزز موقف الإسرائيليين الذين يزعمون أن أي انسحاب يشكل خطرًا، وأنه لا يمكن السماح بقيام دولة فلسطينية.

كما طالب الحية بشراكة سياسية كاملة لحماس، في الوقت الذي يرفض فيه التخلي عن قوة مسلحة مستقلة. وهذه ليست ديمقراطية. فلا يمكن لأي حركة سياسية أن تشارك بصورة مشروعة في اتخاذ القرار الوطني، بينما تحتفظ بجيش قادر على تجاوز الحكومة المنتخبة وجرّ الشعب إلى الحرب.

يجب أن يكون المبدأ واضحًا: سلطة شرعية واحدة، وقانون واحد، وقوة أمنية واحدة خاضعة لحكومة منتخبة.

على الفلسطينيين أن يرفضوا رسالة الحية، لا لأن إسرائيل أو الولايات المتحدة تطالبهم بذلك، بل لأن هذا النهج كان كارثيًا على الفلسطينيين أنفسهم.

لقد ارتكبت إسرائيل انتهاكات جسيمة وجرائم حرب في غزة، وتتحمل المسؤولية عن الحجم الهائل من قتل المدنيين والدمار والتهجير والجوع والخراب.

لكن تحميل إسرائيل المسؤولية لا يقتضي تبرئة حماس.

يجب قول الحقيقتين معًا.

إسرائيل مسؤولة عن الطريقة التي أدارت بها الحرب. وحماس مسؤولة عن شن هجوم السابع من أكتوبر، وقتل المدنيين واختطافهم، وحكم غزة من دون شرعية ديمقراطية، واعتماد استراتيجية كان من الممكن توقع نتائجها الكارثية.

كثير من الفلسطينيين يدركون ذلك. فهم يحمّلون إسرائيل مسؤولية الدمار، لكنهم يحمّلون حماس أيضًا مسؤولية جلب الكارثة إلى غزة، وفشلها في حماية الشعب الذي ادّعت قيادته.

والاعتراف بمسؤولية حماس ليس خيانة، بل مسؤولية وطنية.

إن وصف السابع من أكتوبر بأنه نصر مجيد، بينما غزة مدمرة، هو إهانة للقتلى والجرحى والمهجرين والجائعين ولكل من فقدوا كل شيء.

لا يمكن قياس النصر بعدد الأعداء الذين قُتلوا بينما يُدمَّر المجتمع نفسه. ولا يمكن قياس القيادة بمدى الاستعداد للتضحية بأبناء الآخرين. ولا يجوز أن تصبح «المقاومة» كلمة مقدسة تحمي القادة من المحاسبة.

المتطرفون على الجانبين يعززون بعضهم بعضًا.

فعندما تهاجم حماس المدنيين وتتحدث عن تحرير حيفا ويافا، فإنها تؤكد ادعاء اليمين الإسرائيلي بأن الفلسطينيين يسعون إلى تدمير إسرائيل.

وعندما توسع إسرائيل المستوطنات، وتحمي المستوطنين العنيفين، وتهدم البيوت، وتروّج للضم، وتحرم الفلسطينيين من أفق سياسي موثوق، فإنها تؤكد ادعاء حماس بأن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة.

كل طرف يستخدم تطرف الطرف الآخر لتبرير تطرفه. وكل طرف يعلن أنه لا يوجد شريك، ثم يعمل على منع ظهور أي شريك.

البديل عن الكفاح المسلح ليس الاستسلام، بل استراتيجية وطنية منضبطة تقوم على الشرعية الديمقراطية، والقانون الدولي، والدبلوماسية الإقليمية، والتعبئة الشعبية، وبناء المؤسسات، والمقاومة اللاعنفية.

يحتاج الفلسطينيون إلى انتخابات، وقيادة خاضعة للمساءلة، وسلطة وطنية واحدة، واستراتيجية تجعل الحرية والدولة، لا تدمير إسرائيل، محور حملتهم الدولية.

وعلى إسرائيل أيضًا أن تقدم بديلًا سياسيًا حقيقيًا. فلا يمكنها أن تطالب الفلسطينيين برفض العنف، بينما لا تؤدي الدبلوماسية والاعتدال والاعتراف بإسرائيل إلا إلى تعميق الاحتلال وتوسيع المستوطنات.

لا يستطيع أي من الشعبين هزيمة الآخر بصورة دائمة، ولا أحد منهما راحل.

لن ينتهي الصراع إلا عندما يحقق الفلسطينيون الحرية والسيادة والكرامة والدولة، ويحقق الإسرائيليون الأمن والاعتراف والقبول الإقليمي.

استخدمت إسرائيل قوة ساحقة، وما تزال غير آمنة.

واتبع الفلسطينيون طريق المقاومة المسلحة، وما يزالون بلا حرية.

المزيد من النهج نفسه لن ينتج سوى مزيد من القبور، ومزيد من البيوت المدمرة، وجيل آخر يتعلم أن الحرب حتمية.

لكنها ليست حتمية. إنها خيار سياسي.

لن تنعم إسرائيل بأمن حقيقي حتى ينال الفلسطينيون حريتهم. ولن يحقق الفلسطينيون الحرية حتى ينعم الإسرائيليون بالأمن.

إن رفض طريق خليل الحية لا يعني التخلي عن النضال الفلسطيني، بل إنقاذه من استراتيجية فشلت فشلًا كارثيًا.


دلالات

شارك برأيك

لا حلّ عسكريًا

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.