حين أعلن الرئيس محمود عباس برنامجه السياسي القائم على المقاومة الشعبية ومحاربة الفساد وبناء المؤسسات، كان ذلك في مرحلة حساسة من تاريخ الشعب الفلسطيني، احتاج فيها الناس إلى رؤيةٍ جديدة تربط بين الثبات على الأرض والعمل المؤسسي والمشاركة الجماهيرية في النضال.
جاء البرنامج حينها استجابةً لحاجة وطنية ملحّة، تؤمن بأنّ المقاومة ليست بندقية فقط، بل هي فعل يومي منظم يشارك فيه كل فردٍ من أبناء الشعب: فالمزارع في أرضه مقاوم، والمعلم في مدرسته مقاوم، والعامل في مصنعه مقاوم، وكل من يقاطع منتجات الاحتلال ويدعم الصناعة الوطنية هو جزء من منظومة المقاومة الشعبية التي تستنزف الاحتلال وتبني في الوقت ذاته أسس الاقتصاد الوطني.
لكن ما بين الفكرة والتطبيق مسافة كبيرة، وما بين النصّ والواقع فجوةٌ تتّسع مع الوقت.
فالمقاومة الشعبية التي طُرحت كخيار استراتيجي تحولت تدريجياً إلى شعارٍ بلا أدوات فاعلة، وإلى مشهدٍ رمزيٍّ يفتقر إلى التخطيط والقياس والمحاسبة.
بات المواطن يسمع عن "مقاومة شعبية" لا يلمس آثارها في حياته اليومية، ولا يرى من مؤسساتها سوى بياناتٍ أو فعالياتٍ موسمية تفتقر إلى الاستمرارية والجدوى.
اليوم، وبعد مرور سنواتٍ طويلة على إطلاق هذا البرنامج، يحقّ لنا أن نسأل بوضوح وجرأة:
هل فشل البرنامج، أم فشلت الأدوات التي تولّت تنفيذه؟
وهل كان علينا انتظار كل تلك السنوات حتى يأتي السابع من أكتوبر، وتفتح إسرائيل شهيتها لارتكاب المجازر واستباحة الدم الفلسطيني والعربي، حتى نُعيد التفكير بجدوى المقاومة الشعبية وفعاليتها؟
وهل كان لا بدّ من كل هذا الألم حتى ندرك أن غياب وحدة الموقف العربي والإسلامي يجعل أي مواجهة عسكرية مكلفة بلا سندٍ حقيقي ولا غطاءٍ سياسي جامع؟
غير أن السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بالحدث، بل بالمحاسبة. خاصة مع الحديث عن الاستحقاق الانتخابي الذي سيُعيد فتح ملف الأداء العام لحركة “فتح” وبرنامجها الوطني أمام الجماهير.
هل جرى تقييم ما أُنجز من البرنامج؟
وأين وصلنا في ملفات محاربة الفساد والفلتان الأمني؟
هل تطورت مؤسسات الدولة الفلسطينية ؟
وهل المشكلة في البرنامج نفسه أم في الأطر التنفيذية التي عجزت عن تحويل الرؤية إلى واقع؟
الحقائق على الأرض تقول إن الفكرة لم تفشل، بل أُسيء تنفيذها.
ولا يمكن إنكار أنّ المقاومة الشعبية عرفت في بداياتها نماذج مشرّفة شكّلت حالة وعي وطنيّ حيّ، وفتحت أفقًا جديدًا للفعل الفلسطيني الجماعي، كان أبرزها تجربة باب الشمس، حين نجح الشباب الفلسطيني في إنشاء قرية رمزية على الأراضي المهددة بالمصادرة، لتصبح رسالة سياسية وأخلاقية للعالم بأن الأرض تُدافع بالوجود لا بالبيانات.
كما شهدت التحركات الشبابية في المناطق المهددة بالجدار والاستيطان حضورًا وطنيًا لافتًا، وحالة تفاعل ميداني أظهرت أن المقاومة الشعبية قادرة، حين تُدار بوعي وتنظيم، على أن تُحرج الاحتلال وتكسب التعاطف الدولي وتستنهض روح الانتماء في الشارع الفلسطيني.
غير أن هذه النماذج خبت تدريجيًا، لا لضعف الفكرة، بل لغياب الإسناد المؤسسي، وارتباك أدوات القيادة الميدانية، وتحول الفعل الشعبي إلى نشاطٍ موسميّ يفتقر إلى العمق الاستراتيجي والمتابعة الوطنية الجادة.
فالمقاومة الشعبية مشروع وطني متكامل يحتاج إلى أدوات حديثة، وتمويلٍ شفاف، وإدارة ميدانية تربط الاقتصاد بالسياسة، والمجتمع بالمؤسسة.
لكن ما حدث هو أن الفكرة جرى تفريغها من مضمونها بأسلوبٍ إداري تقليدي افتقر إلى التخطيط والمحاسبة، فغابت النتائج وضاعت روح المبادرة.
تحوّل العمل الشعبي إلى مبادرات متفرقة بلا خطة وطنية، فضاعت المعاني العميقة للمقاومة اليومية في زحمة الفوضى والفساد الإداري.
من هنا، لا بدّ من مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار للبرنامج الرئاسي من خلال تقييمٍ علني وموضوعي يشارك فيه الأكاديميون والاقتصاديون وممثلو المجتمع المدني، لتحديد أين أصبنا وأين أخطأنا.
فلا مقاومة بلا شفافية، ولا ثقة بلا محاسبة، ولا برنامج وطني بلا نتائج ملموسة يشعر بها الناس في معيشتهم اليومية.
إنّ إعادة بناء الثقة بالمقاومة الشعبية تتطلب:
توحيد المفهوم والمصطلح رسميًا لتحديد مجالاتها وآلياتها. كما أن غياب تعريفٍ موحدٍ ومؤسسي للمفهوم زاد من ضبابيته، فبعض القوى تسميها: "مقاومة سلمية"، وأخرى "مقاومة شعبية"، وثالثة "نضالاً سياسياً"، في حين أن المواطن العادي لم يعد يعرف أين تبدأ المقاومة وأين تنتهي، ولا من يقودها أو يقيّم نتائجها.
إطلاق مشاريع إنتاجية نموذجية في الزراعة والصناعة والمقاطعة المنظمة تظهر نتائجها الفعلية للمواطن.
إصلاح المنظومة المؤسسية ومحاسبة المقصّرين والفاسدين بوضوح وشجاعة.
إشراك الشباب والنساء في قيادة المشاريع الوطنية الميدانية.
حملة تواصل وإعلام وطني توضح الحقائق وتعرض الأرقام بدل الشعارات.
المقاومة الشعبية ليست شعارًا يرفع في المهرجانات، بل أسلوب حياة يتجسّد في كل عملٍ يعزز الصمود فوق هذه الأرض.
والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام القيادة والشارع معًا:
هل سنبقى نكرّر البرامج ذاتها دون تقييم، أم سنجرؤ هذه المرة على محاسبة الأدوات، وتصويب المسار، قبل أن نحاسب التاريخ؟





شارك برأيك
الفكرة النبيلة التي أرهقها التنفيذ: قراءة في واقع المقاومة الشعبية