فلسطين

الإثنين 03 نوفمبر 2025 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

رفع سقف الدين العام.. جدل حول القرار ومخاوف من تفاقم الأزمة المالية

خاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. ثابت أبو الروس: رفع سقف الدين العام قفزة كبيرة في حجم الديون المسموح بها قانونياً ويكشف عمق الأزمة المالية للسلطة

إياد الرياحي: في هذه الظروف لا يمكن تبرير القرار إلا كاستجابة سياسية لأزمة مالية وليس كخطوة إصلاحية اقتصادية مدروسة

أيهم أبو غوش: تعديل القانون يهدف إلى قوننة الاقتراض الحكومي وضبط الفوضى المالية في ظل مديونية بلغت 47 مليار شيكل

د. مؤيد عفانة: التعديل أعاد تعريف الدين العام بشكل أشمل وأكثر دقة ليشمل الالتزامات الحكومية المباشرة وغير المباشرة

د. يوسف داود: توسّع الحكومة في الاقتراض الداخلي سيؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على السيولة المتاحة في البنوك


يثير القرار بقانون الذي أصدره الرئيس محمود عباس لتعديل قانون الدين العام جدلاً، في ظل ما يحمله من تغييرات جوهرية على هيكل المديونية العامة وأولويات الإنفاق، وسط مخاوف من تفاقم الأزمة المالية.

ويرى خبراء ومختصون اقتصاديون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن القرار يأتي في مرحلة دقيقة تعاني فيها المالية العامة الفلسطينية من عجز متراكم ومديونية متصاعدة تجاوزت الحدود القانونية السابقة، وهو ما يتطلب الحذر.

ويشير عدد منهم إلى أن رفع سقف الدين العام من 40% إلى 80% من الناتج المحلي الإجمالي يعكس عمق الأزمة المالية التي تمر بها السلطة، ويثير مخاوف من تداعياته المستقبلية على الاستقرار المالي والاجتماعي، خصوصاً مع تراجع الإيرادات وتزايد الاعتماد على الاقتراض الداخلي.

ويرون أن التعديلات الأخيرة تمثل تحولاً في فلسفة إدارة المال العام، إذ قد تمنح الأولوية لسداد الديون على حساب رواتب الموظفين والنفقات الجارية، ما قد يخلق توترات اقتصادية جديدة ويحوّل الدين العام من وسيلة إنقاذ مؤقتة إلى عبء طويل الأمد يهدد بنية الاقتصاد الفلسطيني الهش.

تغييرات جوهرية بأبعاد عميقة

يرى الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن القرار بقانون الخاص بتعديل قانون الدين العام الصادر مؤخرًا عن الرئيس محمود عباس، يحمل تغييرات جوهرية ذات أبعاد مالية عميقة، مشيراً إلى أنه يعيد هيكلة أولويات الإنفاق في السلطة، ويمنح أولوية جديدة لصندوق الوفاء على حساب رواتب الموظفين.

ويوضح أبو الروس أن التعديل الأول شمل إلغاء صندوق الوفاء القديم الذي تم الحديث عنه منذ عام 2005 واستبداله بحساب الوفاء، وهو تطور مالي له مدلولات كبيرة، إذ إن الصندوق كان يُعدّ "أمانة مالية" خارج بند الالتزامات في الموازنة العامة، بينما الحساب الجديد سيظهر رسميًا في بنود الموازنة العامة للسلطة خلال السنوات المقبلة، ما يعني تغييرًا في هيكلية اولويات إدارة المال العام.

قفزة كبيرة في حجم الديون المسموح بها

ويشير أبو الروس إلى أن التعديل الثاني رفع سقف الدين العام من 40% إلى 80% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يمثل قفزة كبيرة في حجم الديون المسموح بها قانونيًا، ويكشف عن عمق الأزمة المالية التي تمر بها السلطة، ويستدعي تحليلاً معمقًا لمخاطر تجاوز هذه النسبة على الاستقرار المالي.

أما التعديل الثالث -بحسب أبو الروس- فهو الأكثر حساسية، إذ لم تعد رواتب الموظفين أولوية قصوى في سلم التزامات الحكومة، حيث أصبحت الالتزامات لحساب الوفاء وسداد مستحقات حاملي السندات أولوية إلزامية قبل صرف الرواتب الشهرية.

ويعتبر أن هذا التحول يعكس توجهاً مالياً جديداً يجعل من التزامات الدين العام بنداً مقدماً على حقوق الموظفين وعلى الالتزامات الاخرى للقطاع الخاص، ما قد يخلق توترات اجتماعية واقتصادية في المدى القريب.

ويشدد أبو الروس على أن الأزمة في جوهرها سياسية انعكست على الاقتصاد الفلسطيني الهش، مشيراً إلى أن القانون الحالي الصادر من الرئيس يجب أن يعكس التنسيق المطلق ما بين وزارة المالية صاحبة السياسات المالية وسلطة النقد صاحبة السياسة النقدية، وهذا لم نجده في هذا القرار، وهو قد يشكل نقطة ضعف لهذا القانون.

ثلاث فئات مستفيدة

ويبيّن أبو الروس أن الفئات التي يمكن أن تستفيد أو تنتفع من القانون الجديد هي ثلاث فئات أساسية، وهي التي يمكنها شراء السندات الحكومية: القطاع البنكي والمصارف، والقطاع الخاص، وموظفو السلطة، مشيراً إلى أن البنوك غير متحمسة للشراء نظراً لارتفاع مديونية الحكومة لديها، وكذلك القطاع الخاص، ما يجعل الموظفين الحلقة الأضعف الذين يمكن أن يُفرض عليهم شراء السندات بشكل إلزامي ضمن تخفيض مديونية وزارة المالية لصالح الموظفين.

ولمنع انزلاق مالي جديد، يشدد أبو الروس على ضرورة تعيين مشرف مالي مستقل لإدارة إصدار السندات وإخضاع الحساب لتدقيق مالي شفاف ومستقل، إلى جانب وضع آليات علنية للتنسيق بين المالية وسلطة النقد والمصارف لضمان عدم سوء استخدام الأموال العامة.

وعلى المدى المتوسط، يدعو أبو الروس إلى فتح مفاوضات مع المانحين الدوليين لتأمين حماية مالية لحساب الوفاء وضمان أن يكون صندوقاً تنموياً لا مجرد أداة لسد العجز المالي، مؤكداً أن تحويله إلى أداة تمويلية فقط سيزيد الأزمة بدلاً من حلها.

أهمية استمرار الإصلاحات ومنهجيتها

ويؤكد أبو الروس أن الإصلاحات المالية والتنموية يجب أن تكون مستمرة ومنهجية وليست إجراءات طارئة، لأن إدارة مثل هذا الصندوق في اقتصاد هش كالفلسطيني تنطوي على مخاطر عالية، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون هناك قرار من مجلس الوزراء يوضح أن هذه السندات ستكون لحاملها أو للمستفيد الأول.

ويشير أبو الروس إلى أن إصدار السندات الحكومية أمر شائع في الدول القوية اقتصاديًا كأمريكا، إضافة إلى دول عربية مجاورة مثل الأردن ومصر، لكن في الحالة الفلسطينية، غياب القوة الاقتصادية والعسكرية يجعل هذه السندات ضعيفة من حيث الثقة والمردود، مشددًا على ضرورة التعامل مع هذا التعديل بحذر كبير حتى لا يتحول إلى عبء مالي جديد بدل أن يكون وسيلة إنقاذ للاقتصاد الوطني.

مخاوف من تفاقم الأزمة المالية

يحذر الباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية (المرصد) إياد الرياحي من التداعيات الخطيرة لقرار الرئيس محمود عباس الصادر مؤخراً بتعديل قانون الدين العام، معتبراً أن التوقيت والظروف الاقتصادية التي صدر فيها القرار تجعل منه خطوة "غير مدروسة ومتسرعة وخطيرة"، من شأنها أن تفاقم الأزمة المالية التي تمر بها السلطة بدل أن تعالجها، داعياً إلى تجميد القرار بقانون فوراً وإخضاعه لنقاش وطني واسع.

وبحسب الرياحي، فإن المشكلة الجوهرية في القرار تكمن في توقيته، موضحاً أن "السلطة تمر اليوم بأسوأ فترة اقتصادية منذ تأسيسها، ومعظم الإيرادات المحلية تُستهلك في تسديد القروض للبنوك، دون أن تسهم في دعم القطاعات المنتجة أو معالجة أزمة المقاصة"، وهو ما يعني أن أي زيادة في سقف الدين العام ستؤدي إلى تعميق الأزمة المالية القائمة لا إلى تخفيفها.

ويشير إلى أن رفع سقف الاقتراض من 40 إلى 80% من الناتج المحلي الإجمالي "تم بطريقة متسرعة وغير مبنية على أسس اقتصادية واقعية"، مشيراً إلى أن المؤشرات الاقتصادية الفلسطينية الأساسية كلها في وضع كارثي، من بطالة مرتفعة إلى انكماش في الناتج المحلي وضعف في النشاط الاستثماري.

ويقول الرياحي: "في مثل هذه الظروف لا يمكن تبرير رفع سقف الدين إلا كاستجابة سياسية لأزمة مالية، وليس كخطوة إصلاحية اقتصادية مدروسة".

ويبيّن أن عمود الموازنة الفلسطينية هو أموال المقاصة التي تقتطعها إسرائيل، وبالتالي فإن زيادة الاقتراض لن تحلّ جوهر الأزمة، لأن الموارد المالية الحالية غير كافية حتى لتغطية الديون الحالية.

ويقول الرياحي: "حتى لو افترضنا أن الحكومة قادرة على اقتراض خمسة مليارات دولار، فإن ذلك لن يغطي احتياجات عام واحد، وسنعود إلى الأزمة نفسها، ولكن هذه المرة بديون أثقل ستدفع ثمنها الأجيال القادمة".

تساؤلات حول سندات الخزينة

وفيما يتعلق بفكرة سندات الخزينة التي يتحدث عنها التعديل الجديد، يوضح الرياحي أن إصدارها يثير تساؤلات عدة حول مدى قدرة السلطة على الالتزام بسدادها، قائلاً: "لجعل هذه السندات جذابة، تحتاج الحكومة لتوفير ضمانات قوية، وهي غير موجودة، أو تقديم أسعار فائدة مرتفعة، وهو ما يعني كلفة إضافية على الشعب الفلسطيني".

ويتساءل الرياحي: "من سيستثمر في سندات خزينة لا تملك ضمانات ولا شفافية في إدارتها؟"، مؤكداً أن هذا الخيار قد يتحول إلى عبء جديد على الاقتصاد والمواطنين.

ويلفت إلى أن إصدار سندات خزينة دون تعليمات واضحة أو نشر تفاصيلها للعموم "يشكل خطراً حقيقياً على أموال الناس"، متسائلاً عما إذا كانت الحكومة ستجبر الدائنين أو البنوك على شرائها.

وبحسب الرياحي، فإن إلزام البنوك بشراء هذه السندات "يعني عملياً استخدام أموال المودعين لتغطية ديون الحكومة، ما يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار المالي".

مخاوف من توسع الاقتراض دون رقابة

ويشير الرياحي إلى أن الحكومة تبرر التعديل بـ"تعزيز الحوكمة المالية"، لكن "القضية ليست حوكمة، بل توسع في الاقتراض دون رقابة كافية".

ويقول الرياحي: "لدينا مشكلات كبيرة في الشفافية والمساءلة، ولا يمكن الحديث عن الحوكمة وكأنها بدأت بقانون الدين العام فقط".

ويدعو الرياحي إلى تجميد القرار بقانون فوراً وإخضاعه لنقاش وطني واسع، مبيناً أنه "من غير المعقول أن يُقرّ مثل هذا القانون الحساس في ظل غياب المجلس التشريعي، ودون مشاركة مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والجهات الرقابية".

ويقول: "هذه قوانين تمسّ مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، ولا يجوز أن تُدار بقرارات منفردة من وزارة المالية أو الحكومة".

ويؤكد الرياحي أن رفع سقف الدين يتيح للحكومة نظرياً اقتراض ما يصل إلى 8 أو 9 مليارات دولار، وهي في الواقع أموال المودعين أنفسهم.

ويتساءل الرياحي عما يجري من خلال هذا القرار بقانون، هل هو "بحث عن تسهيل مالي لمرحلة سياسية جديدة".

ويؤكد الرياحي أن الحل لا يكمن في زيادة الديون، بل في إصلاح جذري للنظام المالي والاقتصادي، وضمان الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

يعالج الخلل القانوني للاقتراض

يرى الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن القرار بقانون الذي أصدره الرئيس محمود عباس مؤخرًا لتعديل قانون الدين العام يأتي في سياق معالجة الخلل القانوني والإداري في عمليات الاقتراض التي قامت بها الحكومة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما من جهات غير مصرفية كصناديق التقاعد وتعويض مصابي حوادث الطرق، في سياق ضبط الفوضى المالية في ظل مديونية بلغت 47 مليار شيكل.

ويوضح أبو غوش أن السلطة، في ظل الأزمة المالية الحادة التي واجهتها، اقترضت أموالاً من هذه الصناديق دون سند قانوني واضح، ما جعل تلك العمليات عرضة للمساءلة، إلا أن صدور القرار بقانون الجديد يمنحها غطاءً قانونيًا من خلال آلية إصدار سندات دين لصالح الجهات الدائنة، وهو ما يتيح تنظيم تلك الديون بشكل رسمي ومعترف به.

ويشير أبو غوش إلى أن القانون السابق كان يحدد سقف الاقتراض عند 40% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما رفع التعديل الجديد السقف إلى 80%، في محاولة لتسوية المخالفات القائمة ضمن الإطار القانوني الجديد. ومع ذلك، يؤكد أبو غوش أن المديونية الحالية تجاوزت فعليًا هذا الحد ووصلت إلى نحو 86%، في حين تشير تقديرات أخرى إلى إمكانية بلوغها نسبة 100% عند احتساب الديون غير المسجلة محاسبيًا بشكل كامل.

الأزمة المالية أعمق من المقاصة

ويبيّن أبو غوش أن إجمالي الدين العام الفلسطيني يبلغ اليوم نحو 47 مليار شيكل، جزء كبير منه نتيجة الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة التي تصل إلى حوالي 12 مليار شيكل، لكنّه يشدد على أن الأزمة المالية الفلسطينية أعمق من قضية المقاصة، وأنها ناتجة بالأساس عن آليات إدارة المال العام وارتفاع النفقات الجارية إلى مستويات غير قابلة للاستدامة.

ويؤكد أنه حتى في حال استعادة أموال المقاصة المحتجزة، فإن ذلك لن يحل جذريًا مشكلة المديونية، طالما لم تُتخذ إجراءات جذرية لتقليص حجم النفقات، مشيرًا إلى أن الحل يكمن في إعادة هيكلة الإنفاق الحكومي من خلال خطوتين أساسيتين: أولاً، خفض فاتورة الرواتب الشهرية التي تبلغ حاليًا نحو مليار و50 مليون شيكل إلى حدود 700 مليون شيكل، عبر مراجعة سلم الرواتب والعلاوات والامتيازات، وثانيًا، إعادة النظر في النفقات التشغيلية التي تتراوح بين 400 إلى 500 مليون شيكل شهريًا، والتي تُنفق على المؤسسات والمراكز الحكومية المختلفة، داعيًا إلى ترشيدها وضبطها بما يتناسب مع الوضع المالي العام.

ويحذر من أن استمرار الإنفاق المرتفع دون ضبط أو إصلاح سيؤدي إلى زيادة المديونية، إما عبر الاقتراض البنكي الذي بلغ سقفه الأعلى ولم تعد البنوك قادرة على تمويل الحكومة أكثر، أو من خلال إصدار سندات جديدة لتغطية العجز المالي.

عملية جراحية للوضع المالي

وبحسب أبو غوش، فإن الوضع المالي الفلسطيني يتطلب "عملية جراحية" شاملة لإعادة ضبط المالية العامة وهيكلة الدين العام تدريجيًا وفق الإيرادات المتاحة، محذرًا من أن الاستمرار بالنهج الحالي سيبقي المالية العامة الفلسطينية في حالة نزف دائم، دون أفق واضح للخروج من الأزمة.

خطوة ضرورية نحو ضبط المديونية العامة

يعتبر الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة أن تعديل قانون الدين العام في فلسطين، الذي صدر بقرار من الرئيس محمود عباس، يمثل خطوة ضرورية وجيدة نحو ضبط المديونية العامة وتعزيز الشفافية المالية، في ظل التحديات الاقتصادية والمالية العميقة التي تمر بها السلطة الفلسطينية، خاصة بعد العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة واحتجاز إيرادات المقاصة منذ شهر أيار/مايو 2025.

إعادة تعريف الدين العام

ويوضح عفانة أن القانون الجديد جاء استجابة لتقادم القانون السابق، وسعيًا لإعادة هيكلة إدارة الدين العام بما يشمل كافة التزامات الحكومة تجاه الجهات المختلفة، مشيرًا إلى أن التعديل أعاد تعريف الدين العام بشكل أشمل وأكثر دقة ليشمل الالتزامات الحكومية المباشرة وغير المباشرة، سواء المسددة أو غير المسددة، الداخلية منها والخارجية.

ويؤكد عفانة أن هذا التوسع في التعريف مكّن من إدراج متأخرات الحكومة وديونها المتنوعة ضمن الدين العام، بعدما كانت القوانين السابقة تقتصر على الديون للبنوك فقط، لافتًا إلى أن إجمالي الدين العام الفلسطيني بلغ حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2025 نحو 13.2 مليار دولار.

ويبيّن أن التعديلات استحدثت مفاهيم جديدة من بينها "سقف الاقتراض السنوي" الذي يحدد حجم الديون المخصصة لتمويل عجز الموازنة، و"خطة السداد" التي تنظم آلية تسديد الالتزامات وفق مواعيدها المحددة.

ويشير عفانة إلى إنشاء "حساب الوفاء" في وزارة المالية، وهو حساب خاص لتجميع الأموال المخصصة لتسديد السندات الحكومية، على أن يُمنع استخدامه لأي أغراض أخرى، ما يعزز الانضباط المالي ويضمن سداد الالتزامات في مواعيدها التعاقدية.

ويلفت إلى أن التعديل الجديد منح دائرة الدين العام صلاحيات موسعة تشمل إعداد استراتيجيات التمويل، وتحديد الاحتياجات التمويلية، وإصدار السندات، ورفع توصيات بشأن حجم الاقتراض السنوي، إضافة إلى إلزامها بنشر بيانات الدين العام بشكل دوري لتعزيز الشفافية والمساءلة.

منع تضخم الدين العام

وفيما يتعلق بسقف الدين العام، يوضح عفانة أنه تم تعديله ليصبح 80% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، بدلاً من 40% سابقًا، بما يعكس واقع المديونية الحالية وظروف الاقتصاد الفلسطيني.

ويلفت عفانة إلى أن هذا التعديل يتماشى مع المعايير الدولية ويهدف إلى منع تضخم الدين العام في ظل الضغوط المالية الراهنة.

أما بخصوص السندات الحكومية، فيؤكد عفانة أن تعديل القانون مهد الإطار التشريعي لها، لكنها ما تزال قيد الدراسة الفنية ولم يصدر بشأنها أي قرار تنفيذي، مشددًا على أن الظرف الاقتصادي الحالي لا يعد الأنسب لإصدارها في ظل الغموض المالي القائم.

مخاطر الانزلاق نحو أزمة مديونية أعمق

ويحذّر عفانة من مخاطر الانزلاق نحو أزمة مديونية أعمق تهدد الاستقرار المالي، داعيًا إلى ترشيد النفقات وتعزيز الإيرادات، وضبط الالتزامات الحكومية، واعتماد موازنة طوارئ واقعية لعام 2026 ترتكز على الأولويات الوطنية وصمود المواطنين وانتظام الرواتب بعدالة، مع أهمية إشراك مؤسسات المجتمع المدني والفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة في مناقشة بنودها.

وفي المقابل، يؤكد عفانة أن إجراءات سلطة النقد والبنوك الفلسطينية تتسم بمتانة عالية وتتبع معايير دولية صارمة تضمن حماية أموال ومدخرات المودعين من أي مخاطر محتملة، رغم صعوبة الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة.

خطوة اضطرارية و"شر لا بد منه"

يعتبر أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت، د. يوسف داود أن قرار رفع سقف الدين العام في فلسطين من 40% إلى 80% من الناتج المحلي الإجمالي، جاء كخطوة اضطرارية لتجنّب عجز الحكومة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه الدائنين والموظفين، لكنه في الوقت ذاته يحمل تداعيات اقتصادية ومالية مقلقة على المدى البعيد.

ويوضح داود أن هذه الخطوة كانت بمثابة "شر لا بدّ منه"، إذ سمحت للحكومة بتفادي أزمة سداد محتملة في ظل الظروف المالية الخانقة التي تمر بها، غير أن رفع السقف بهذا الحجم يعكس ضعف الانضباط المالي لدى الحكومة، مشيراً إلى أن تكرار اللجوء إلى الاقتراض كلما واجهت الحكومة أزمة مالية يمثل مؤشراً سلبياً لدى مؤسسات التصنيف الائتماني مثل "موديز"، ما قد يؤدي لاحقاً إلى خفض التصنيف الائتماني للسلطة الفلسطينية، ويجعل من عملية الاقتراض أكثر صعوبة وكلفة في المستقبل.

مزاحمة القطاع الخاص على السيولة

ويؤكد داود أن من أبرز التداعيات السلبية لارتفاع الدين العام زيادة تكاليف الاقتراض، حيث ستتحول أموال كان من الممكن توجيهها إلى مجالات التنمية أو الخدمات العامة إلى خدمة الدين وسداد الفوائد، الأمر الذي يثقل كاهل الموازنة العامة.

ويحذّر من أن توسّع الحكومة في الاقتراض الداخلي سيؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على السيولة المتاحة في البنوك، ما يضعف من قدرته على الاستثمار ويحدّ من فرص النمو الاقتصادي.

ويبيّن داود أن خيارات الحكومة محدودة، إذ لا تمتلك القدرة على إصدار النقد كما تفعل الدول ذات السيادة المالية، وبالتالي فإن الاقتراض سيكون في الغالب من البنوك المحلية، وهو ما قد ينعكس على استقرار الجهاز المصرفي في حال تعثّرت الحكومة في السداد.

ويشير داود إلى أن غياب أدوات مالية مستقلة مثل السندات، وضعف الموارد الضريبية، يضيقان هامش المناورة أمام السلطة الفلسطينية.

ويؤكد داود أن رفع الضرائب حالياً ليس خياراً واقعياً بسبب هشاشة الوضع الاقتصادي، معتبراً أن الخيارات المتبقية أمام الحكومة محصورة بين الاستدانة والحصول على منح خارجية، وهو ما اعتادت السلطة على الاعتماد عليه لتغطية عجزها المالي المزمن.

دلالات

شارك برأيك

رفع سقف الدين العام.. جدل حول القرار ومخاوف من تفاقم الأزمة المالية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.