أقلام وأراء

الجمعة 17 أكتوبر 2025 8:35 صباحًا - بتوقيت القدس

لا كرامة في التطبيع قبل الدولة: فلسطين أولًا وأخيرًا

في ظل تسارع الأحداث الإقليمية والدولية، وتزايد المؤتمرات والمبادرات التي تُعقد تحت شعارات السلام والاستقرار، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى موقف فلسطيني موحد يعزز الجبهة الداخلية، ويعيد ترتيب الأولويات الوطنية في مواجهة التحديات المتصاعدة. فما تمر به القضية الفلسطينية لم يعد مجرد أزمة سياسية، بل أصبح تعبيرًا عن اختلال عميق في موازين القوى، ومحاولة مستمرة لإعادة تشكيل الواقع السياسي في المنطقة بعيدًا عن الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

الرئيس الأمريكي السابق والحالي دونالد ترمب لم يكتفِ بتبني ما عُرف بـ"صفقة القرن"، بل كان هو من صاغها وفرضها كأمر واقع، محاولةً لفرض رؤية أمريكية إسرائيلية مشتركة لتصفية جوهر القضية الفلسطينية، لا عبر الحل، بل عبر الإلغاء التدريجي لمكوناتها الأساسية، وعلى رأسها الحق في الدولة والعودة والقدس. هذه الصفقة، التي جاءت خارج أي إطار دولي متوافق عليه، فُرضت بالتوازي مع موجة تطبيع غير مسبوقة مع عدد من الدول العربية، عُرفت بـ"اتفاقيات أبرهام"، التي تجاوزت الإجماع العربي السابق القائم على مبادرة السلام العربية، وأعادت تعريف العلاقة مع الاحتلال من دون أي التزام فعلي بإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية.

من هنا، تصبح الحاجة إلى جبهة عربية وإسلامية موحدة أمرًا حتميًا، جبهة تتحدث بلغة واحدة، وتعلن بشكل لا يقبل التأويل أن لا تطبيع ولا علاقات طبيعية مع إسرائيل قبل إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، وعاصمتها القدس. إن استمرار حالة التشظي في المواقف العربية، حيث تغلب المصالح القُطرية الضيقة على الموقف القومي العام، يشكل العائق الأكبر أمام تشكل هذه الجبهة، لكن التحديات الكبيرة، وقد تكون أيضًا دافعًا لتحول نوعي في طريقة التفكير والعمل المشترك، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والضغط الشعبي والوعي الاستراتيجي.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل لا تزال هناك إمكانية لتشكيل هذه الجبهة في ظل هذا التباين الحاد؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضًا. ما زال بالإمكان إعادة بناء موقف عربي إسلامي جامع، شريطة أن يُعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية كبوصلة للعمل السياسي المشترك، وأن تتوقف الدول عن التعاطي مع الملف الفلسطيني باعتباره ورقة ضمن حساباتها الخاصة أو مادة للمساومة الإقليمية والدولية.

الواقع يؤكد أن محاولات فرض حلول جزئية تحت مسمى "السلام" ما هي إلا أدوات سياسية لتصفية القضية، وخلق وقائع جديدة على الأرض، تُستخدم لاحقًا لتبرير مزيد من التنازلات. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يجب أن لا يكون على نوايا الأطراف الدولية، بل على قدرة الفلسطينيين على توحيد صفوفهم أولًا، وعلى قدرة الشعوب العربية والإسلامية على استعادة زمام المبادرة والضغط باتجاه رفض التطبيع قبل تحقيق العدالة للفلسطينيين.

القضية الفلسطينية لم تعد فقط مسألة نضال شعب ضد احتلال، بل أصبحت معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا لمدى التزام الدول العربية والإسلامية بقيم الكرامة والسيادة والحرية. وكل انخراط في التطبيع من دون ثمن سياسي حقيقي يكرس واقع الاحتلال ويقوّض فرص الحل العادل. لذلك، فإن شعار "لا تطبيع قبل الدولة الفلسطينية المستقلة" يجب أن يتحول إلى موقف مبدئي، وخط دفاع أول، لا يُساوَم عليه، ولا يُختزل في بيانات أو شعارات موسمية.

في نهاية المطاف، فإن من يسعى إلى إنجاز سياسي على حساب الحق الفلسطيني، سواء أكان رئيسًا أمريكيًا يسوّق "صفقات"، أم من يلهث وراء نفوذ مؤقت، أيّاً كان، إنما يؤسس لمرحلة من الاضطراب وعدم الاستقرار، لأن أي تسوية تتجاهل الجذور الحقيقية للصراع، وتتجاوز أصحاب الأرض، لن تكون إلا تأجيلاً لانفجار قادم. فقط الحل العادل، المبني على الاعتراف الكامل بالحقوق الفلسطينية، هو ما يمكن أن يُمهّد لسلام حقيقيّ، مستدام وشامل.

دلالات

شارك برأيك

لا كرامة في التطبيع قبل الدولة: فلسطين أولًا وأخيرًا

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.