تمهيد: المشهد الرمزي المتكرر
يظلّ الفن في أعمق معانيه مرآةً للذاكرة الإنسانية، ومحرّكًا للتاريخ حين يعجز المؤرخون عن وصفه.
فيلم «أسد الصحراء» (عمر المختار) الذي أخرجه مصطفى العقاد، لم يكن مجرد عمل سينمائي يوثّق حقبة استعمارية، بل كان بيانًا أخلاقيًا عن معنى المقاومة وكرامة الإنسان في وجه آلة الحرب الحديثة.
فيه يقف عمر المختار، شيخًا هرِمًا لكن ثابتًا، في مواجهة جيشٍ متفوّق عدّةً وعددًا، متسلّحًا بشعارات “التمدين” و”الأمن” لتبرير بطشه.
واليوم، بعد أكثر من قرن، تُستعاد تلك الصورة في مشهدٍ آخر — في غزة، حيث يقف شعبٌ أعزل أمام منظومة عسكرية تُعيد إنتاج الخطاب نفسه: “الأمن أولًا”، و”السلام بشروط القوة”.
إنّ المقارنة بين التجربتين تكشف أن الصراع الحقيقي لم يكن يومًا على الأرض وحدها، بل على الشرعية الأخلاقية ذاتها — من يملك الحقّ في تعريف العدالة، ومن يحقّ له أن يقاوم.
أولًا: القوة العسكرية في مواجهة الصمود الأخلاقي
يقدّم الفيلم عمر المختار لا كقائد عسكري فقط، بل كرمزٍ إنسانيّ يرى في الصمود واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون خيارًا استراتيجيًا.
وفي غزة، يتكرر المشهد ذاته:
قوة غاشمة تمتلك أحدث الأسلحة، تفرض حصارًا خانقًا، وتعتبر كل بيتٍ مأهول “هدفًا مشروعًا”، في مقابل شعبٍ يتمسك بحقه في الحياة على أرضه رغم الجوع والدمار.
في الحالتين، لا يكون الصراع مجرد مواجهة ميدانية، بل اختبارًا للقيم والكرامة.
من يمتلك الدبابات والطائرات لا يربح بالضرورة الحرب على الضمير، ومن يقف على الأنقاض قد يكون أكثر حضورًا في الذاكرة والتاريخ.
ثانيًا: خطاب “الأمن” وتواطؤ النخب
من أبرز رسائل العقاد في «أسد الصحراء» أنه عرّى تبريرات المستعمر، الذي يسوّغ بطشه باسم “الحضارة” و”الأمن”.
ذلك الخطاب يتكرّر اليوم بحذافيره: فكل قصفٍ على غزة يُقدَّم تحت لافتة “حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بينما تُغفل تمامًا جذور الاحتلال ومآلاته.
وفي الخلفية، تلعب بعض النخب العربية دور “الوسيط المطيع”، توازن بين مصالحها مع الغرب وضغوط شعوبها الغاضبة.
تمامًا كما قدّم العقاد شخصية محمد رضا السنوسي، الذي حاول أن يقنع المختار بترك سلاحه مقابل “الأمان” و”الحياة الكريمة”.
محمد رضا: “يا عمر، لماذا لا تستسلم؟ احصل على أفضل الشروط من الإيطاليين، سأرتّب لك طريق الأمان للخروج.”
عمر المختار: “إلى أين؟ إلى مصر؟ لأختبئ مع أخيه؟ أنت السنوسي الوحيد الذي بقي في البلد، وهذه حالك الآن… أسرتي حاربت حفاظًا على امتيازاتكم! أين أنتم الآن؟”
محمد رضا: “لكن هذا سلامٌ شريف…”
عمر المختار: “يسلبون أرضنا، يدمّرون بيوتنا، يقتلون الأبرياء، وتسمّيه سلامًا؟ والله لن يفسدني سلام ذلك الرجل.”
بهذا الحوار، يختصر العقاد المسافة بين التاريخ والواقع: بين من يفاوض على الكرامة، ومن يحرسها.
وفي غزة اليوم، تتكرر الرسائل نفسها بعبارات جديدة — وعود بالإعمار، وأمنٍ مستقر، مقابل التخلي عن السلاح والحق والسيادة.
ثالثًا: الحلول الجزئية وخطر “السلام المشروط” – نموذج خطة ترامب
كما كان الإيطاليون في الفيلم يسعون إلى “تسوية شريفة” تحفظ ماء الوجه وتُبقي السيطرة بأيديهم، تأتي خطة ترامب الأخيرة لتقدّم نسخة حديثة من تلك التسوية غير المتكافئة.
فالخطة، بحسب التحليلات السياسية، تَعِد بوقفٍ لإطلاق النار وإعادة إعمارٍ شامل، لكنها تشترط نزع سلاح المقاومة، وإخضاع الأمن لإشرافٍ دولي، دون أي ضمانات حقيقية لرفع الحصار أو حماية المدنيين.
بهذا الشكل، يُطلب من الفلسطينيين أن يوقّعوا على “سلامٍ مؤقت”، بينما تبقى جذور الصراع قائمة:
الاحتلال، والاستيطان، وحق العودة، وتغييب السيادة الوطنية.
تمامًا كما رفض المختار الرحيل إلى “الأمان”، يرفض الفلسطينيون اليوم أن يُستبدل حقّهم في الحياة الحرة بصفقة تهدئة بلا كرامة.
خاتمة: من المختار إلى غزة – استمرارية المعنى
إن المقارنة بين فيلم «أسد الصحراء» وواقع غزة ليست تمرينًا في التاريخ، بل قراءةٌ في جوهر الإنسان حين يُحاصر بين القوة والضمير.
يُذكّرنا الفيلم بأن الانتصار لا يُقاس بعدد البنادق، بل بقدرة المظلوم على أن يقول «لا» حين يطلب منه الأقوى أن يركع.
اليوم، كما بالأمس، ما زالت المعركة نفسها تُخاض بأسماء مختلفة:
من محمد رضا إلى ترامب، ومن عمر المختار إلى كل أمٍّ في غزة ترفض الرحيل، يظل السؤال قائمًا:
من يملك الشرعية الأخلاقية في هذا العالم الذي يعبد القوة وينسى العدالة؟
ولعل الإجابة التي قالها المختار قبل إعدامه ما تزال الأصدق والأبسط:
“نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت.
أقلام وأراء
الأحد 05 أكتوبر 2025 3:10 مساءً - بتوقيت القدس





شارك برأيك
بين «أسد الصحراء» وغزة اليوم: صراع الشرعية الأخلاقية في وجه القوة الغاشمة