منذ أن تم الإعلان بصورة غير رسمية عن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة، تفاوتت الآراء حول الدوافع الحقيقية منها وأبعادها ومآلاتها. فترامب يدرك تماماً أن وقف الحرب دون تحقيق الأهداف المعلنة لإسرائيل، وفي مقدمتها ما يسميه نتنياهو بـ“الانتصار المطلق”، هو خط أحمر بالنسبة لحكومة اليمين الإسرائيلية. ومع ذلك، فإنه يتقدم بخطوة تبدو في ظاهرها محفوفة بالمخاطر بالنسبة لعلاقته التقليدية مع إسرائيل ولا سيما معسكر اليمين فيها. فما الذي يدفعه إذاً إلى إطلاق مبادرة كهذه في هذا التوقيت الدقيق بالذات؟
تتكون مبادرة ترامب لوقف الحرب من 21 بنداً تركّز بالأساس على وقف فوري لإطلاق النار بضمانات أميركية– إقليمية، وتفكيك البنية العسكرية لحماس، والإفراج الفوري عن كافة المحتجزين الإسرائيليين أحياء وامواتا مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين، وفتح ممرات إنسانية آمنة بإشراف دولي لإدخال المساعدات وإعادة الإعمار، مع ترتيبات أمنية تضمن لإسرائيل ما تسميه بـ"منع عودة التهديدات"، وللفلسطينيين رفع الحصار وتحريك مسار سياسي نحو إدارة مدنية في غزة، إضافة إلى دورإقليمي وعربي في التمويل والإشراف، ووعود بخطة اقتصادية لإعادة إعمار القطاع.
إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها أن ترامب، بخبرته التجارية والسياسية التي تجمع بين البراغماتية والشعبوية، يدرك أن استمرار الحرب بلا أفق يهدد المصالح الأمريكية الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فمنذ اندلاع المواجهة في غزة، أخذت صورة الولايات المتحدة تتآكل بشكل متسارع في عواصم كثيرة، ليس فقط في العالم العربي والإسلامي، بل أيضاً في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. استمرار الحرب يعني انخراط واشنطن أكثر في التغطية غلى الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة، ما يفاقم العزلة الدولية ويضعف قدرة أمريكا على بناء تحالفات واسعة لمواجهة خصومها الاستراتيجيين. وربما لهذا السبب بالذات، يرى ترامب أن وضع حد سريع للصراع في غزة بات ضرورة لإعادة إمساك أمريكا بزمام الأمور في الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم.
هذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل يتزامن تحرك ترامب مع تنامي المحور الصيني– الروسي ومحاولة دول أخرى مثل إيران وجنوب أفريقيا تشكيل جبهة مناهضة للهيمنة الأمريكية؟ الإجابة تبدو واضحة، فواشنطن اليوم لم تعد اللاعب الأوحد كما كانت في تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الحادي والعشرين. تعدد مراكز القوة، وتصاعد الأصوات في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية ضد السياسات الإسرائيلية، كلها عوامل تجعل ترامب يخشى أن يتحول قطاع غزة إلى نقطة ضعف كبرى للولايات المتحدة في صراعها الكوني مع بكين وموسكو. وعليه، فإن وقف الحرب بالنسبة له ليس مجرد مسألة إنسانية أو دبلوماسية او صفقة عقارية، بل جزء من حسابات استراتيجية كبرى تهدف إلى إعادة تثبيت شعار "أمريكا أولاً" عبر حماية المصالح الأمريكية من التآكل.
لكن هناك جانباً آخر لا يمكن تجاهله: هل يحاول ترامب إنقاذ إسرائيل من نفسها؟ فمع تزايد المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وتنامي المظاهرات المنددة بإسرائيل في العواصم الغربية وفي العالم بشكل عام، تجد تل أبيب نفسها أمام موجة غير مسبوقة من العزلة الدولية. مؤسسات حقوق الإنسان، والقرارات القضائية الدولية، وحتى بعض مراكز القرار في أوروبا بدأت تعيد النظر في العلاقة مع إسرائيل. في هذا السياق، قد يرى ترامب أن استمرار الحرب سيقود إسرائيل إلى فقدان شرعيتها الدولية تدريجياً، وهو ما قد يصب في مصلحة خصوم واشنطن. لذلك فإن تقديم خطة لوقف الحرب قد يكون، من وجهة نظره، خدمة استراتيجية لتل أبيب، حتى وإن عارضها نتنياهو في البداية.
أما بالنسبة لنتنياهو، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يملك القدرة والمنطق لإقناع ترامب بالعدول عن المبادرة أو تعديلها لتتوافق مع الأهداف الإسرائيلية؟ تاريخ نتنياهو مع الإدارات الأمريكية السابقة يظهر أنه بارع في استثمار التحالف مع واشنطن للحصول على أكبر قدر من المكاسب. لكنه في الوقت نفسه يعرف أن علاقته مع ترامب ليست مثل علاقته مع رؤساء ديمقراطيين، إذ أن ترامب رجل لا يتردد في فرض رؤيته إن اعتقد أنها تخدمه داخلياً وخارجياً. لذلك قد لا ينجح نتنياهو في إفشال الخطة تماماً، لكنه قد يسعى إلى تعديلها عبر طلب ضمانات أمريكية إضافية، مثل زيادة الدعم العسكري والمالي لإسرائيل، وربما الدفع نحو تسريع عملية التطبيع مع دول عربية مركزية مثل السعودية، أو مع دول إسلامية كبيرة مثل إندونيسيا، لتعويض ما قد يعتبره "تنازلاً" عن أهداف الحرب.
غير أن المعضلة الجوهرية تكمن في السؤال الأكبر: هل يمكن لنتنياهو أن يقبل بإنهاء الحرب دون أن يحقق ما يسميه بـ “الانتصار المطلق” في الحرب على غزة؟ قبول كهذا يعني فعلياً أنه يغامر بمستقبله السياسي، خصوصاً أن الداخل الإسرائيلي يشهد انقسامات عميقة وضغوطاً متزايدة على حكومته وعليه من داخلها ايضا. أي نهاية للحرب دون حصوله ولو على صورة "المنتصر" ستعني فتح الباب أمام محاكمات داخلية وربما عدم فوز حزبه الليكود في الانتخابات القادمة. لذا فإن حسابات نتنياهو الشخص تتقاطع مع حسابات إسرائيل الدولة، ما يجعله في موقف بالغ التعقيد إزاء خطة ترامب.
وعند محاولة استشراف السيناريوهات الممكنة لمآلات هذه الخطة، يمكن رسم أكثر من مسار محتمل. السيناريو الأول هو أن ينجح ترامب في فرض الخطة كما هي تقريباً، مستفيداً من الضغط الدولي على إسرائيل، ومن حاجة نتنياهو إلى ضمانات أمريكية للحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي. في هذا السيناريو، تنتهي الحرب وفق اتفاق هش يتيح لإسرائيل الإعلان عن بعض المكاسب الرمزية، فيما تحافظ واشنطن على مكانتها الدولية وتعيد ترتيب أوراقها في المنطقة.
السيناريو الثاني يفترض أن نتنياهو سيرفض الخطة بشكل صريح، محاولاً كسب الوقت على أمل تحقيق اختراق عسكري في غزة يمكن تسويقه على أنه انتصار. لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، فاستمرار الحرب يعني المزيد من التدهور في صورة إسرائيل والولايات المتحدة معاً، ما قد يدفع إدارة ترامب لاحقاً إلى ممارسة ضغوط أكبر أو حتى فرض عقوبات سياسية غير معلنة على تل أبيب.
أما السيناريو الثالث فهو وسط بين السيناريوهين السابقين، يتم فيها تعديل بعض بنود الخطة لتتلاءم مع الرؤية الإسرائيلية، كإدخال بند يضمن استمرار العمليات الأمنية ضد البنية العسكرية لحماس حتى بعد وقف إطلاق النار، أو تضمين تعهدات دولية بمنع إعادة تسليح القطاع. هذه الصيغة قد تمنح نتنياهو "غطاء" يسمح له بالموافقة دون أن يظهر بمظهر المتنازل أو المهزوم.
السيناريو الرابع يرتبط بعامل الوقت والسياسة الداخلية في إسرائيل والولايات المتحدة. فلو ترافق الضغط الدولي مع تزايد الاحتجاجات داخل إسرائيل ضد الحرب، قد يجد نتنياهو نفسه مضطراً للقبول بالخطة مهما كانت كلفتها السياسية. في المقابل، لو شهدت الولايات المتحدة نفسها تطورات انتخابية أو أزمات داخلية، قد يعيد ترامب حساباته ويختار التراجع جزئياً عن خطته لعدم إغضاب القاعدة الإنجيلية-الصهيونية واللوبي المؤيد لإسرائيل.
بالمجمل العام، يمكن القول إن خطة ترامب لوقف الحرب في غزة ليست مجرد محاولة لوقف نزيف الدم، بل هي اختبار لقدرة الولايات المتحدة على إعادة صياغة النظام الدولي في مرحلة تتسم بتعدد الأقطاب. نجاحها أو فشلها لن يقاس فقط بمدى قبول نتنياهو أو رفضه، بل بقدرة واشنطن على فرض إيقاعها على حلفائها وخصومها على حد سواء. أما غزة، التي دفعت ولا تزال تدفع الثمن الأكبر، فستظل في قلب هذه الحسابات الكبرى، رهينة لتجاذبات تتجاوز حدودها الصغيرة لتلامس مستقبل التوازنات الدولية في العقد القادم.





شارك برأيك
هل يتمكن تـرمب من وضـع حد لحرب بلا أفق؟