في خضم الحرب الدائرة على غزة، وما رافقها من حملات إعلامية وسياسية تهدف إلى تشويه صورة الفلسطينيين ودمجهم قسراً في خانة العداء لإسرائيل، برز الأداء الحكيم للسلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس بوصفه ركيزة أساسية في حماية الهوية الوطنية من محاولات الطمس والتشويه.
لقد أدركت القيادة الفلسطينية أن أخطر ما في هذه الحرب لا يقتصر على مشاهد الدمار والضحايا، بل يمتد إلى المعركة على السردية، حيث سعت إسرائيل إلى اختصار الشعب الفلسطيني في صورة طرف واحد، وإلى محو التعددية السياسية والوطنية التي تشكّل جوهر القضية الفلسطينية.
الرئيس أبو مازن، بخبرته الطويلة وحضوره الدبلوماسي، اختار أن يخوض هذه المواجهة بأدوات السياسة والعقلانية، بعيداً عن الانفعال الذي أرادت إسرائيل استدراجه . ففي الوقت الذي كانت فيه بعض القوى تسعى لتغليب منطق العسكرة على ما سواه، عملت السلطة الفلسطينية على إبراز أن القضية أكبر من أي فصيل، وأن الشعب الفلسطيني أوسع من أن يُختصر في خانة واحدة. كانت الرسائل واضحة للعالم: الفلسطينيون ليسوا كتلة واحدة من العداء، بل شعب يسعى إلى الحرية، العدالة، والدولة المستقلة، ضمن منظومة القانون الدولي والشرعية الأممية.
لقد أتاح هذا الأداء المتزن مساحة جديدة للحركة السياسية الفلسطينية على الصعيد الدولي. فبينما كانت آلة الدعاية الإسرائيلية تحاول شيطنة الفلسطينيين ووصمهم بالإرهاب الجماعي، أعادت السلطة الفلسطينية تعريف النقاش، مؤكدة أن الحل لا يمكن أن يكون أمنياً أو عسكرياً، بل سياسياً مبنياً على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ومن هنا جاءت موجة الاعترافات المتزايدة بالدولة الفلسطينية، والمبادرات الدولية لإنهاء الحرب، لتؤكد أن الرواية التي حاولت إسرائيل فرضها لم تعد وحدها على الطاولة.
حكمة السلطة الفلسطينية تمثلت في أنها لم تكتفِ بالخطاب، بل عملت على بناء شبكة من الاتصالات والتحركات الدبلوماسية التي أعادت فلسطين إلى مركز الاهتمام العالمي. هذه المقاربة منعت عزل الشعب الفلسطيني خلف صورة نمطية ضيقة، وأعادت التذكير بأن الفلسطينيين شعب حيّ، متنوع، يسعى إلى تقرير مصيره بعيداً عن ثنائية 'مع إسرائيل أو ضدها' . إن ما نشهده اليوم من زخم دولي نحو الاعتراف بفلسطين ومن مبادرات لإنهاء العدوان ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مباشرة لنهج متوازن رفض الانجرار وراء السرديات المفخخة.
في النهاية، ما قامت به السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس أبو مازن لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كان خياراً استراتيجياً حافظ على حضور فلسطين في الساحة الدولية، وقطع الطريق على الرواية الإسرائيلية التي أرادت حصر الفلسطينيين جميعاً في خانة واحدة. ومن خلال هذا الأداء الحكيم، تأكد أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضاً على الوعي، وأن الانتصار في ساحة الرواية لا يقل أهمية عن أي معركة أخرى.





شارك برأيك
الأداء الحكيم للسلطة الفلسطينية في مواجهة الحرب الإعلامية