أقلام وأراء

الجمعة 19 سبتمبر 2025 9:08 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في أهداف الحملة العسكرية الإسرائيلية على مدينة غزة

في أواخر صيف 2025 بدا واضحًا أن إسرائيل لا تُحضّر لعملٍ عسكري محدود ومُحكَم ضد خلايا مسلحة منتشرة داخل مدينة محاطة بالسكان، بقدرما تُهيئ لعملية واسعة النطاق - من حيث الأفراد والعتاد واللوجستيات- تبدو في تناقض صارخ مع حجم التهديد المعلن. فالسؤال البسيط والمعياري يبقى: لماذا تعبئة عشرات الآلاف من الجنود، ألوية ومدرعات، وإسناد جوي وبحري ومدفعي مكثف لاقتحام مدينة مأهولة؟ هل الهدف حقًا محصور في «تحييد» هؤلاء المقاتلين، أم أن هناك غايات سياسية وجغرافية أوسع تُعيد تشكيل قطاع غزة جيوسياسيا؟

الجيش الإسرائيلي بدأ عمليّة برية موسّعة لاحتلال مدينة غزة، بالتركيز حاليا على اقتحام وفرض سيطرة على أطراف أحياء المدينة، مع خطط من 3 مراحل تشمل فتح ممرات وإخلاء وإنهاء بؤر مقاومة. القوات البرية الرئيسية التي أُعلن أنها تشارك مباشرة في عمليات مدينة غزة هي الفرقة 98، الفرقة 162، والفرقة 36 (بما في ذلك عناصر نظامية واحتياطية)، إلى جانب دخول وحدات أخرى في محاور مجاورة، مع دعم جوي وبحري ومدفعي وهندسي، وترافق هذا مع استدعاء حوالي 60,000 من جنود الاحتياط لتوسيع عملية احتلال المدينة. 

في المقابل، منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، ظلّت الأرقام حول حجم القوة العسكرية لحماس موضع جدل واسع. التقديرات الأصلية قبل الحرب أشارت إلى أن كتائب القسّام، الجناح العسكري للحركة، لديها ما بين 25 إلى 30 ألف مقاتل موزعين على كامل قطاع غزة. مع استمرار المعارك والقصف المكثّف، أعلنت إسرائيل أنها قتلت نحو20 ألف عنصر، لكن مراقبين مستقلين شككوا في هذه الأرقام ورأوا أنها أقرب إلى تقديرات دعائية. تقديرات تحليلية دولية أكثر تحفظًا تحدثت عن بقاء عدة آلاف وحتى 20 ألف مقاتل في غزة ككل، مع اختلاف في تعريف «المقاتل» بين عناصر نظامية وملتحقين جدد أو مقاتلين من فصائل أخرى.

لكن عندما ننظر إلى قوة حماس في مدينة غزة تحديدًا، التي تتعرض للهجوم العسكري الإسرائيلي اليوم، تتقلص الأرقام بشكل واضح. تقارير ميدانية حديثة صادرة عن مراكز دراسات عسكرية دولية ومراكز رصد أشارت إلى أن عدد المقاتلين المتبقين داخل حدود المدينة الحضرية يتراوح في الغالب بين 2000 إلى 3000 مقاتل، منتشرين في أحياء متفرقة ويتحصّنون في شبكة الأنفاق تحتها.  

في تاريخ الحروب تتحدد الأدوات العسكرية بمقياس الهدف، وفي حالة الهجوم الإسرائيلي على مدينة غزة فإن قتال قوة منظمة داخل جيب حضري يتطلب وحدات متخصصة، استخبارات دقيقة، وعمليات دقيقة قليلة التكلفة السياسية والإنسانية ما أمكن. لمصلحة القضاء على قيادة أو بنيات تحتية قتالية يكفي في كثير من الحالات ضرب مراكز القيادة، استهداف خطوط إمداد محددة، وعمليات استخبارية نوعية. لكن ما نراه من تعبئة فرقية واحتياطية واسعة، واستخدام هائل للقوة النارية في أحياء مدنية مكتظة، يتناسب تقريبيًا أكثر مع هدفٍ يستدعي تفريغ سكانها أو إعادة رسم جغرافي للديموغرافيا المحلية وليس مجرد إضعاف قوة مقاتلة او القضاء عليها. 

إن الهجوم الواسع داخل مدينة كمركز حضري مكتظ لن يكون «ميدان قتال» فحسب، بل سيعني دمارًا واسعًا للبنية التحتية، مئات إن لم يكن آلاف الضحايا المدنيين، ونزوحًا جماعيًا. هذا الواقع لا يقاس فقط بمعايير عسكرية بحتة، بل يكرّس أزمات إنسانية طويلة المدى: مشروعات إعمار تتطلب سنوات، أثر نفسي واجتماعي يمتد لأجيال، وتراكم الشعور بالانتقام والكراهية الذي يولّد مقاومة تتجدد باستمرار. إذا كان الهدف محصورًا بالقضاء على قدرات تنظيم مسلح بعدد محدود، فهناك أساليب أقل تكلفة سياسية وإنسانية وأكثر فعالية تكتيكيًا من هذه المواجهة الشاملة.

على امتداد الأشهر الماضية برزت مقترحات وتحليلات تتناول «إعادة إعمار» ونقل سكاني أو تغيير شكل التجمعات السكنية بعد إنتهاء الصراع. ليست كل هذه الأفكار مخططات مُفعّلة، لكن تكرارها في دوائر صنع القرار والتحليلات يخلق سياقًا مُقلقًا: تصوّر مستقبلًا يشتمل على إعادة توزيع سكاني أو حلول «توطين» جزئية قد تعني عمليًا تهجيرًا طويل الأمد لملايين البشر أو دفعهم خارج مناطقهم التي عاشوا فيها لأجيال. هذه الخطوط الفكرية، عندما تتلاقى مع قوة عسكرية مهيكلة وكبيرة، تطرح فرضية أن للعسكرة غايات تتجاوز «التأمين» إلى «التغيير» في الواقع الجغرافي والديموغرافي.

إن الحديث عن احتمالات تفاهمات أو مساحات تفاوضية مع دول إقليمية أو مع إدارات أجنبية لإنشاء ترتيبات ما بعد الحرب- سواء في شكل مساعدات إعادة إعمار بشروط أو تنسيق أمني وسياسي- لا يعني بالضرورة اتفاقًا على تهجير قسري، لكن الأمر يفتح الباب أمام سيناريوهات تُبدّل ميزان القوى على الأرض. مصر، على سبيل المثال، أعلنت عن رفضها استقبال موجات نزوح كبيرة؛ لكن التحول المحتمل في مواقف بعض الأطراف نتيجة ضغوط سياسية أو حوافز اقتصادية أو صفقات أمنية يمكن أن يغير قواعد اللعبة. لذا، لا يكفي النظر إلى القوة العسكرية بمعزل عن المحيط الدبلوماسي الذي يتماشى معها أو يدفعها.

إن فتح إسرائيل لممرات «إنسانية» مؤقتة وإجبار السكان على التوجه نحو جنوب القطاع تُقرأ بطرق متعددة. الممرات قد تُعرض كجواب إنساني لكنه عمليًا يسهل- تفريغ مناطق استراتيجية لأيام أو أسابيع، ما يخفف من تكتيك القتال الحضري المكلف للقوات المهاجمة. إذا استُخدمت هذه الممرات كآليات إزاحة دائمة أو كخطوة أولى لتقليص الحضور السكاني في مناطق معينة، فإنها بمثابة أداة عملية لتغيير الواقع الديموغرافي تدريجيًا.

هذا الاستنتاج ليس مجرد «نظرية مؤامرة»، بل هو مبني على تراكم مؤشرات: فرق وقوة تفوق ضغط العدو المعلن، تقارير عن مقترحات إعادة إعمار تتضمن فرضيات انتقال سكاني، آليات ميدانية تُسهل نزوح المدنيين مؤقتًا، وتحذيرات حقوقية وأممية عن مخاطر التهجير القسري. تراكم هذه الأدلة لا يثبت بالضرورة وجود خطة مكتملة، لكنه يخلق احتمالًا معقولًا يتطلب كشفًا وشفافية ومساءلة. في اللحظة التي تتحول فيها سياسة عسكرية واسعة إلى تغيير دائم في السكن والهوية، فإن البعد الأخلاقي والقانوني يفرضان التدخل والمساءلة الدولية.  

إن أي خطاب يبرر استخدام القوة باسم «الأمن» يجب أن يجيب على سؤالين أساسيين: ما هو الهدف الحقيقي؟ وما هي تكلفة هذا الخيار على البشر الذين يعيشون في الساحة؟ إذا كانت الإجابة على الأول هي «تحييد عدة مئات من المقاتلين»، فالسؤال عن التناسب يظل قائمًا. وإذا كانت الإجابة تتضمن إعادة هندسة ديموغرافية أو جغرافية، فلا بد من أن تتحرك محاكم الرأي العام والشرعية الدولية قبل أن تصبح أمرا واقعا. 

دلالات

شارك برأيك

قراءة في أهداف الحملة العسكرية الإسرائيلية على مدينة غزة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.