فلسطين

الخميس 11 سبتمبر 2025 9:16 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في العدوان الإسرائيلي على قطر والدروس التي يجب استخلاصها

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات

شنّت الطائرات الإسرائيلية، عصر الثلاثاء الماضي، غارة جوية موجّهة نحو مقر وفد حركة حماس المفاوض في العاصمة القطرية الدوحة. وجاء في البيانات، التي صدرت على الفور من مكتب رئيس وزراء إسرائيل، المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية على خلفية جرائم حلاب، بنيامين نتنياهو ، ومن وزير الأمن، يسرائيل كاتس، أن الهدف هو قيادة حماس، ومن وصفتهم إسرائيل بمعارضي الصفقة، خليل الحية وزاهر جبارين ونزار عوض الله ومحمد درويش وغازي حمد وخالد مشعل وعزّت الرشق، وهي الأسماء التي وردت في تقرير موقع الجريدة العبرية "يديعوت أحرونوت.


وأحدث العدوان على قطر هزة دبلوماسية حادة بشأن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.  والسؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت خطوة إسرائيل تُغلق الباب أمام محادثات وقف إطلاق النار أم تفتح فرصًا لتغيير الديناميكية الحالية بهدف إنهاء حرب إسرائيل المروعة. وجاء الهجوم الإسرائيلي بينما كان مفاوضو حركة حماس يبتون بمقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب المكون من 100 كلمة ، والذي بموجبه ستُطلق الحركة سراح جميع الرهائن (أحياءً وأمواتًا) مقابل عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين، ووقف إطلاق نار مؤقت لمدة ستين يومًا واستمرار المفاوضات للتوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء الحرب.


وتتباين التقارير حول درجة تورط الولايات المتحدة بالتخطيط للغارة، أو على الأقل معرفتها بها من لحظتها الأولى، كون أن الطيران الحربي الأميركي ، وراداراته يسيطران على أجواء المنطقة، ولكن التداعيات الدبلوماسية تفاقمت بسرعة. في واشنطن، سعت إدارة ترمب إلى احتواء الأضرار فورًا من خلال التواصل مع القادة القطريين، والتشكيك علنًا في "حكمة العملية الإسرائيلية"، وإعادة التأكيد على أهمية علاقة أميركا بالدولة الخليجية. ورد الفعل المحتمل من "حلفاء أميركا العرب"، علما بأن الولايات المتحدة ليس لها حلفاء في المنطقة، بل أتباع، (بمن فيهم إسرائيل التي تعتبر أغلى الأتباع).  كما يُعزز هذا العدوان الانطباع الدولي بأن إسرائيل دولة مارقة، تخترق كل القوانين الدولية بحماية أميركية.  


يناط بالذكر أنه على الرغم من أن واشنطن والدوحة لا تزالان تعيشان على وقع زيارة الرئيس ترمب لقطر في أيار الماضي، وما نتج عنها من اتفاقيات ثنائية تُقدر قيمتها بنحو 1.2 تريليون دولار (وهدية قطر الثمينة لترمب؛ طائرة بوينغ 747 التي يبلغ ثمنها 400 مليون دولار)، إلا أن الواقع يُشير إلى أن قطر تعرضت لهجومين عسكريين منذ ذلك الحين، ويعود ذلك في المقام الأول إلى الإجراءات الأميركية. ففي 23 حزيران الماضي، ردت إيران على الضربات العسكرية الأميركية ضد برنامجها النووي (يوم 21 حزيران) بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد الجوية القطرية، أكبر منشأة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط والمركز الرئيسي للعمليات الجوية الأميركية في المنطقة. ورغم أن  الهجوم الإيراني بدد أسوأ مخاوف الدوحة بشأن الشراكة مع الولايات المتحدة، إلا أن التعاون الدفاعي الناجح الذي ظهر جليًا عند اعتراض الصواريخ وتجنب وقوع إصابات خفف من حدة المخاوف القطرية.


لكن من شبه المؤكد أن الضربة الإسرائيلية ستقوض ثقة الدوحة في العلاقة مع أميركيا، لا سيما أنها وقعت في خضم مفاوضات وقف إطلاق النار المدعومة من الولايات المتحدة، وأُبلغت بها واشنطن مسبقًا، واستهدفت مبانٍ سكنية تقع بجوار مدرسة ومحطة وقود. نظريا ، تستطيع قطر، التي مولت بناء قاعدة العديد ب11 مليار دولار، أن تطلب من واشنطن، إغلاق قاعدتها ، ورحيل جنودها ال10 آلاف من هناك، وأن يشكل ذلك محفزا لإغلاق القواعد العسكرية الأميركية في السعودية، والكويت، والإمارات والبحرين والعراق والأردن وسوريا، إلخ. لكن الواقع يشير إلى ضئالة هذا الاحتمال، طالما وأن الولايات المتحدة تستخدم البعبع الإيراني لابتزاز هذه الدول.  


لطالما اتسمت علاقات قطر مع الدول الأعضاء الأخرى في مجلس التعاون الخليجي بالتوتر، لا سيما بعد أن قطعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع الدوحة بين عامي 2017 و2021. إلا أن الضربة الإسرائيلية على الدوحة دفعت معظم عواصم دول مجلس التعاون الخليجي إلى التعبير عن غضبها المشترك من خلال تصريحات عامة تبدو متزامنة، لا سيما وأن الهجوم يبدو أنه نُفذ بعلم مسبق من الولايات المتحدة، أقرب داعم لقطر. (يشار إلى أنه في السنوات الأخيرة، واصلت قطر السماح لحماس بالحفاظ على وجود سياسي محلي بناءً على طلب واشنطن لتسهيل التواصل مع الحركة، وقد تدفع ضربة الدوحة المسؤولين الخليجيين إلى التساؤل عن جدوى هذه التفاهمات مع واشنطن).


قد يتأثر التعاون العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة أيضًا، خاصةً إذا خلص الخليجيون إلى أن الأصول الأميركية في قاعدة العديد الجوية (التي استخدمتها أميركا في عدوانها على العراق وسوريا)، سهّلت الهجوم أو غضّت الطرف عنه عمدًا، في حين أن القيادة المركزية الأميركية، استخدمت مركز القيادة المشتركة في القاعدة بشكل حاسم في الدفاع عن إسرائيل ضدّ هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، حتى أن الدوحة سمحت بتعيين ضابط اتصال إسرائيلي واحد على الأقل في المنشأة.


الدرس الذي يجب استخلاصه هو أنه كون أن المستهدفين في قطر هم قيادات سياسية ليس لها أي دور عسكري، أو أمني، لا يقلل من الاندفاع الإسرائيلي لقتلها. حيث أن السياسة الإسرائيلية شبه الرسمية المتبعة منذ ستينات القرن الماضي، هي الإبادة السياسية، ومحو قيادات الصف الأول الفلسطينية ، بغض النظر عن توجهاتها السياسية أو حتى مدى أثرها، كي  لا تلعب دورا في مواجهة الاحتلال والمشروع الإسرائيلي الإجرامي والتوسّعي. وقد اتخذت إسرائيل قرارا فور هجوم السابع من تشرين الأول 2023، بالقضاء على جميع قادة حماس في أماكن وجودهم كافة، وأشار المسؤولون الإسرائيليون بانتظام  إلى أن توقيت التنفيذ سيكون "تبعا للتطورات والفرص والسياقات".


لذا يجب فهم الاستهداف في الدوحة في سياق حملة اغتيالات قادة حماس في غزة ولبنان ومواقع أخرى. كما يندرج أيضا في إطار الغارات الإسرائيلية بعيدة المدى، التي وصلت إلى إيران واليمن، وكذلك هو حلقة إضافية في سلسلة الاغتيال الجماعي للقيادات، كما حدث في إيران ولبنان واليمن وغزة.


لاشك أن العملية العدوانية الإسرائيلية في الدوحة، تضع علامات استفهام حول مسار الحرب ومصير الصفقة، ويبدو حاليا أن المفاوضات للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى قد تعرقل، كما يبدو للوهلة الأولى، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لن يقدم على الاجتياح الشامل والجارف لمدينة غزة ريثما يتضح مصير مبادرة ترمب.


لقد هزّ الاستهداف الإسرائيلي للسيادة القطرية ولقيادة حماس العملية التفاوضية، حيث أعلنت قطر عن تعليق وساطتها، من دون أن تلغيها، وأعلنت حماس عن استعدادها لمواصلة التفاوض حول صفقة تنهي الحرب. أمّا إسرائيل فهي تفاوض بمنطق العربدة والتهديد والقصف الوحشي والقتل والتدمير، وقد وجّه وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي إنذارا إلى قيادات حماس (التي يدعي أنه اغتالها!) بأن عليها أن تقبل بالشروط الإسرائيلية، وإلا فإنه سوف "يقضي عليها ويدمّر غزة". كما يبدو أن استئناف المفاوضات أصبح قرارا أميركيا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القرارات الأميركية تنسجم مع قرارات نتنياهو.


حين يتحدث نتنياهو عن "شرق أوسط" جديد فهو يعني بالضبط ما حدث في الدوحة، ويعني أن إسرائيل لها الحق بالبلطجة العسكرية (المدعومة أميركيا) حيثما تشاء، وحينما وكيفما تريد. خاصة وأن العرب (والعالم) ، يقفون عاجزين عن لجم الانفلات الإجرامي الإسرائيلي في غزّة والضفة ولبنان وسوريا واليمن والآن في قطر ، دون استكشاف ما يمكنهم فعله لإجبار إسرائيل على وقف حرب الإبادة في غزة، التي لن تبقى في حدود غزة فقط.

دلالات

شارك برأيك

قراءة في العدوان الإسرائيلي على قطر والدروس التي يجب استخلاصها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.