في خضم النقاشات الفكرية والسياسية حول الحرب الإسرائيلية على غزة، يسلط الوزير التونسي السابق والمفكر السياسي أحمد قعلول الضوء على أبعاد هذه الحرب من خلال قراءة تاريخية عميقة. يربط قعلول بين الحاضر والماضي، مستحضراً تجارب الشعوب في مواجهة الاستعمار والهيمنة، ويعتبر أن ما يحدث في غزة هو استمرار لسياسات العقاب الجماعي التي شهدها التاريخ الغربي.
يبدأ قعلول بتحليل جذور هذه السياسات، مشيراً إلى أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم يشبه إلى حد كبير ما عانته شعوب أخرى في التاريخ. ويستحضر مفهوم "محتشدات الاعتقال" كواقع يتهدد غزة في القرن الحادي والعشرين، حيث يتعرض الفلسطينيون لظروف قاسية وغير إنسانية.
تاريخ معسكرات الاعتقال، كما يذكر قعلول، يعود إلى الحرب العالمية الثانية، حيث ارتكبت النازية جرائم بشعة ضد الإنسانية من خلال احتجاز مئات الآلاف في ظروف قاسية. هذه الأحداث أصبحت جزءاً من الذاكرة الغربية، وتم استخدامها لاحقاً لتبرير سياسات الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة.
يستعرض قعلول كيف استغل الاحتلال الإسرائيلي هذه الذاكرة التاريخية لتبرير انتهاكاته بحق الفلسطينيين، مشيراً إلى أن الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي اعتبر أن هذه الجرائم تأتي في سياق انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تشبه ممارسات أنظمة استبدادية أخرى.
مع اقتراب اكتمال سنتين على الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، يتساءل قعلول عن أهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في خطته لاكتساح القطاع. ويشير إلى أن التاريخ يعلمنا أن القوى المتجبرة تلجأ إلى الحلول الراديكالية عندما تعجز عن قمع الشعوب المضطهدة.
ما يفعله الاحتلال في غزة هو تجسيد لجرائم تاريخية مشابهة لممارسات الأنظمة الاستبدادية.
يؤكد قعلول أن الخطوة المتوقعة من نتنياهو ليست مجرد احتلال غزة، بل تحويلها إلى محتشد اعتقال للقرن الواحد والعشرين، حيث يسعى الاحتلال إلى تجويع الشعب الفلسطيني حتى الموت. ويشير إلى أن هذه المحتشدات تهدف إلى السيطرة على العدو وفرض عقاب جماعي.
يستعرض الكاتب تجارب تاريخية لمحتشدات الاعتقال، بدءًا من الحكم الاستعماري الإسباني في كوبا، مرورًا بتجارب الاحتلال البريطاني في جنوب أفريقيا، ووصولاً إلى ممارسات الولايات المتحدة في الفلبين. هذه التجارب توضح كيف استخدمت القوى الاستعمارية هذه التكتيكات لقمع المقاومة.
يؤكد قعلول أن ما يحدث في غزة اليوم هو امتداد لتاريخ طويل من الجرائم التي ارتكبتها المنظومة الغربية، وأن الاحتلال الإسرائيلي يمثل خلاصة هذا التوحش. ويشير إلى أن ما يقترفه نتنياهو من جرائم لا يختلف عن الجرائم التي ارتكبتها هذه المنظومة في الماضي.
في ختام مقاله، يشدد قعلول على أن ما تقوم به المقاومة الفلسطينية في غزة هو دفاع عن الضمير الإنساني، وأن مشهد الشهداء والمصابين في غزة يجب أن يهز ضمير العالم. ويؤكد أن الأمل في التحرر لن يتحقق إلا بتوحد الأمة ودعم مصر لقضية غزة.
إن ما يحدث في غزة اليوم هو صراع من أجل البقاء، ويجب أن يكون هناك تحرك دولي حقيقي لرفع الحصار عن القطاع، وإلا فإن التاريخ سيعيد نفسه، وستبقى غزة رمزًا للمقاومة ضد الظلم.





شارك برأيك
غزة وميراث معسكرات الاعتقال.. حين يستيقظ التاريخ في الحاضر