أمين الحاج
في ركن صغير من هذا العالم المزدحم، مركز الكون بلا منازع، حيث يترك أثره على كل شيء، في السياسة الدولية، والتجارة العالمية، وأسواق المال، هو حقاً ركن صغير، لكنه كبير بما يكفي لأن تتصارع لأجله الأجيال، العالمان العربي والإسلامي من جهة، والعالم الغربي من جهة أخرى، وبين هذين وذاك، مشروع غربي استعماري إحلالي يجثم فوق صدره، وله من الأطماع ما لا حد له.
وفي ركن من هذا الركن الصغير، تقوم سلطة فلسطينية، تشبه الدولة في كل شيء إلا السيادة، رئيس ونائب، وزراء ومدراء عامون، صور فوق الجدران، بروتوكولات صارمة، مكاتب فخمة، أختام رسمية، خطب وشعارات، كل شيء موجود تقريباً، ولا يغيب إلا الجوهر؛ الحرية والاستقلال.
في هذه "الدولة" الهشة، يتقاضى الموظف نصف راتب أو أكثر قليلاً منذ سنوات، نصف راتب مقابل حياة كاملة؛ مقابل الانتظار على الحواجز، وتناول وجبة الذل اليومية، والصبر على غلاء العيش، والسكوت على الاحتكار والمحسوبية والفساد، رواتب متقطعة ومنقوصة، وقد نصدق القول إن قلنا أن البنوك تتقاضى ما بقي منها، ونعلم جميعاً أن ذلك يحدث بسبب احتجاز أموال المقاصة، ومع ذلك لم تتوقف المراسيم الإدارية عن إصدار قرارات تعيين جديدة أو ابتكار ألقاب شكلية.
في هذه الدولة، يختصر الحلم الوطني في نشيد يردده طفل دامع حافي القدمين، وفي نشرة أخبار رسمية بما هو جديد، تعلن للشعب عن مرسوم جديد، أو زيارة مسؤول لآخر، ومواكب مصفحة بالحديد حيث يتصافحون بحرارة وكأنهم يأتون من قطبي الأرض ذوات الجليد، وسط حضور مزدحم بالكاميرات، فالكل يريد توثيق اللحظة التاريخية، رغم أن كليهما قد يحتاج إذن خفي ليعبر إلى مكان الاجتماع من جديد، فلا أحد يتحرك بحرية، وحتى أولئك الذين تسبقهم أو تحيط بهم السيارات ذات الزجاج المعتم، يحتاجون لتنسيق أو إذن ليعبروا من محافظة إلى أخرى، ومع ذلك، يصر هذا النظام الإداري على استعراض مظاهر السلطة، مؤتمرات فخمة، احتفالات مهيبة، ألقاب رنانة، ترقيات وأوسمة... كل ذلك يجري فوق أرض تخنقها البوابات والحواجز، ويغلقها مستوطن واحد جاء من أقاصي الدنيا، وفوق ذلك كله، شعب يذبح من الوريد إلى الوريد، ويقتل بالنار والحديد، سواء كان في الجنوب أو الشمال، حل في السهول أو سكن الجبال، بعضهم يعاني الموت والفقر، وكلهم يعاني غياب الأفق، وضبابية المستقبل الذي يبدو معلقاً بين احتلال لا يرحل وسلطة لا تتحرر.
في هذه البقعة المضطردة، لا تقاس السلطة بقدرتها على تحرير الأرض، أو حماية الإنسان، بل بعدد الوزارات والاجتماعات وطول المواكب، حتى أصبحت الدولة مشهداً تمثيلياً متقن الإخراج، يتحلق المسؤولون حول طاولة مزينة بالورود، يتبادلون العبارات المنمقة والابتسامات المصطنعة، ثم ينفضون جميعاً إلى بؤسنا المشترك، حيث مشهد الـ"لا سيادة" والـ"لا حرية" والـ"لا قدرة"، فالاحتلال مستمر، وكأن لا دولة هنا، والاستيطان يتمدد، وكأن لا سلطة هنا، الحواجز تخنق يوم الفلسطيني، وكأن لا مقاومة سلمية هنا، وكل ذلك يحدث وكأن لا شعب هنا.
ومع ذلك، في ركن آخر من هذا المشهد العبثي، تعقد الاجتماعات البروتوكولية، وتصرف الميزانيات المهولة، التي كان الأجدر أن تصرف على حماية قرية مهددة، أو تدعم مزارعاً اقتلع مع أشجاره، أو آخر شرد مع ماشيته. سابقاً، حذرت المؤسسات الدولية من انهيار اقتصادي وشيك، وكررت إصدار تقارير عن وضع كارثي، لكن هناك، ليس ببعيد، تواصل السلطة بناء وهم من ورق، فهذا الانفصام بين مظاهر الحكم وجوهر الواقع ليس مجرد خلل إداري، بل هو إعادة انتاج لواقع الاحتلال، وتدجين لطموحات التحرر الوطني إلى طموحات إدارية صغيرة، حتى بات التحرر يعني تنقل الموكب الرسمي عبر الحواجز دون منغصات، لا إسقاط هذه الحواجز، في "دولة نصف الراتب" يصبح الحلم ليس في الاستقلال، بل في الحصول على راتب كامل، أو تصريح عمل داخل المستوطنات، أو بطاقة تتيح التنقل بأريحية، أو ربما في فرصة للهروب من حياة الخنق المزدوج، دون مساواة بين طرفيها، خنق الاحتلال وخنق البيروقراطية المنفصلة عن الواقع.
هكذا تتحول قضية الأمة الكبرى إلى أزمة رواتب، والمشروع الوطني إلى جدول أعمال، والمقاومة إلى مداخلات مكتوبة في تقارير رسمية، وتبقى الدولة في حدود الورق، والمواطن أسيراً خلف قضبان الواقع، ففي الدول الحقيقية، تبنى السلطة لخدمة الشعب، أما في بلاد نصف الراتب، فالشعب مجرد خلفية صامتة لسلطة تصارع بمظهر الدولة دون أن تمتلك روحها.
.......
في هذه "الدولة" الهشة، يتقاضى الموظف نصف راتب أو أكثر قليلاً منذ سنوات، نصف راتب مقابل حياة كاملة؛ مقابل الانتظار على الحواجز، وتناول وجبة الذل اليومية، والصبر على غلاء العيش، والسكوت على الاحتكار والمحسوبية والفساد.
شارك برأيك
دولة النصف راتب... حين تحكم البيروقراطية شعباً بلا سيادة