أمين الحاج
في الوقت الذي أعلنت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة عن العام 2025 كسنة دولية لـ"علوم وتكنولوجيا الكم"، للاحتفاء بالابتكار البشري، والقدرة على إحداث ثورات معرفية، تقف غزة اليوم شاهدة على مفارقة مؤلمة، فتكنولوجيا الكم ليست مجرد تطور علمي، فقد جعلت القتل أسرع، والتجسس "أذكى"، والعدوان أكثر فتكا، فالتكنولوجيا ليست سلاحا بالضرورة، لكنها منحت السلاح قدرة "خارقة" يصعب مواجهتها، فجعلت ما انتجته حضارة البشر من "تقدم" مسخرا للتدمير، فالطائرات التي تقصف المدارس، والصواريخ التي تحيل الجامعات إلى ركام، والأسلحة "الذكية" التي تقتل الطلبة والعلماء، توجهها تقنيات "متقدمة"، مشتقة أو مرتبطة بعلوم الكم، والذكاء الاصطناعي، والفيزياء الدقيقة، تلك التي لم تحمل الحياة الى غزة، بل الموت الزؤام، وفي ذلك درس أخلاقي للإنسانية - ان بقي من مكارمها بقية - بأن الخطر ليس في العلم، بل في الوحش الذي يملكه ويوجه استخدامه، وبينما كان من المفترض ان تكون المدارس والجامعات في فلسطين أول المستفيدين، كانت – في الواقع - أول الضحايا! فأي مستقبل لهذا العلم إن كان "يَـصنع" موتا أكثر من "صناعة الحياة"؟
تاريخيا، ورغم الاحتلال والحصار، ظل التعليم في فلسطين واحدة من أبرز معارك الصمود، أثبت خلالها الفلسطيني أنه قادر على الإبداع والتميز، حتى في أحلك الأوقات وأصعب الظروف، فلم يستطع الاحتلال - بكل ما أوتي من قوة ودعم - أن يكسر إرادته، أو يطفئ شغفه بالعلم، فصار الوصول إلى مقعد الدراسة عملا نضاليا، لا يقل شرفاً عن الوقوف في خندق المقاومة، فرأيناه يحلق من أزقة المخيمات إلى قاعات أعرق الجامعات، شق طريقه بثبات، فحصد جوائز الأرض، ومن قبلها جوائز السماء، وابتكر في مجالات عدة: الطب، والهندسة، والدفاع، والتكنولوجيا، وتبوأ مواقع متقدمة في مؤسسات بحثية وشركات رائدة، فكان سفير فلسطين للعالم، فعلا لا قولاً، دون مراسيم او تكليف، بل بالتميز العلمي والمهني، مبرهنا للعالم، أن الاحتلال يمكن أن يقصف المدارس، لكنه لا يستطيع أن يهزم العقول.
وبينما كان العالم منشغلاً بالحسابات السياسية والمواقف الدبلوماسية، هناك غير بعيد، في غزة، كانت تسحق أجيال بأكملها، لم تعد المعاناة مقتصرة على القتل والدمار، أو فقدان الأمن الغذائي والصحي، بل امتدت لتطال اهم "الأسلحة" التي امتلكتها الشعوب، والشعب الفلسطيني رائد في ذلك، فأشهرها -على الدوام- في وجوه الغزاة، معلنا الثورة على الظلام لبناء مستقبله، ذاك هو العلم والتعليم.
فللعام الثاني على التوالي، يحرم أكثر من 700 ألف من طلبة المدارس في غزة من حقهم في التعليم، وقرابة 90 الفاً آخرين وجدوا أنفسهم خارج أسوار الجامعات، التي باتت اثرا بعد عين، بفعل العدوان والآلة العسكرية التي طالت البشر والحجر والمستقبل، ولا تقف الأرقام المرعبة عند ذلك، اذ تكشف – وفق الأرقام الرسمية - انه وحتى مطلع العام 2025، دمر الاحتلال 137 جامعة ومؤسسة تعليمية كليا، و357 جزئيا، ودفن تحت ركامها قرابة 13 الفا من طلبتها، وقتل اكثر من 150 عالما وأستاذا جامعيا، و760 اخرين من الكوادر التعليمية، هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل عقول ناضجة، وأحلام معلقة، ومستقبل شعب تم سحقه بوحشية.
ومن أكثر الفئات تضررا في هذا المشهد الكارثي كانوا طلبة الثانوية العامة (التوجيهي)، فهذه ليست مجرد مرحلة دراسية عابرة، بل هي مفترق مصيري يرسم ملامح المستقبل، فكيف يمكن لذلك ان يحدث في ظل غياب العملية التعليمية، وتحت وطأة القصف المستمر، وفقدان الزملاء والمعلمين والعائلة؟ وكيف لذاكرة مثقلة برائحة الموت والخوف أن تستوعب معادلات، أو تحفظ نصوصا أدبية وأبيات شعرية تحكي عن شعوب وخصال اندثرت مع أهلها منذ زمن؟
لم تقتصر تداعيات الأزمة على حدود القطاع المحاصر، بل امتدت لتلقي بظلالها الثقيلة على منظومة التعليم العالي في فلسطين، فاستقبلت عديد الجامعات طلبة من غزة، فعليا او افتراضيا، بعضها رمزيا او ضمن محاولات تضامنية، لكنها اصطدمت بعقبات كبيرة، محدودية الموارد وغياب الدعم الدولي الكافي، كما أن الانقطاع الأكاديمي الطويل للطلبة الغزيين شكل تحديا للإدماج السلس في البرامج التعليمية، ناهيك عن الأزمات التي قد يواجهها الطلبة، ما يتطلب دعما نفسيا وتربويا موازيا للدعم الأكاديمي، دون ان نغفل ان الجامعات الفلسطينية تعاني أصلا من أزمات مالية وهيكلية مزمنة، وهو ما فاقم هذا الظرف "الاستثنائي"، وأعاد طرح السؤال الأكبر: كيف يمكن لنظام تعليمي محاصر ومجزأ، أن يصمد في وجه محاولة ممنهجة لتفكيك المجتمع الفلسطيني معرفيا؟
وبالتالي فان تدمير البنية التحتية التعليمية في غزة لا يمكن اعتباره ضررا جانبيا، بل هو سياسة ممنهجة تستهدف تعطيل وعي الجيل القادم، وكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وسعيه المستمر للنهوض والتقدم، فالجيل الذي يحرم من التعليم لعامين كاملين هو جيل "مهدد" بالتسرب والفقر والبطالة، وربما بالانزلاق نحو أزمات اجتماعية اعمق، ففي غياب التعليم، قد يتعرض الشباب لفراغ قاتل، وقد يُـملأ بما لا يُـراد، كما يُـحرم المجتمع من قادة المستقبل، الذين كانوا سيقودون التنمية، ويبنوا المؤسسات، ويخطوا احرف الخطاب الفلسطيني للعالم.
فهذا الواقع الكارثي، حتى وان كان نتيجة مباشرة لعدوان خارجي، فانه أيضا تحد داخلي، يوجب على صناع القرار وقادة العملية التعليمية، وعلى الفاعلين من وزارات، وجامعات، ونقابات، ومؤسسات وطنية، تحمل المسؤولية التاريخية، حتى لا يدرجهم التاريخ في قوائم الصامتين الممتدة، فهذه ليست أزمة مؤقتة قد تحل بسكوت أصوات المدافع، بل هي كارثة وطنية تهدد بجيل "فاقد" للمعرفة، متأرجح الانتماء، فمستقبلنا يصنع من كراساتهم، وضياع حقهم بالتعلم سيكون مدخلا لـ"ضياع أكبر"، فالتعليم اليوم ليس خيارا، بل أمانة وطنية وتاريخية.
.................
إن تدمير البنية التحتية التعليمية في غزة لا يمكن اعتباره ضررا جانبيا، بل هو سياسة ممنهجة تستهدف تعطيل وعي الجيل القادم، وكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وسعيه المستمر للنهوض والتقدم.
شارك برأيك
على أبواب التوجيهي.. قنابل بلا "رحمة" ومدارس من ركام!