نتنياهو.... وألغام الاتفاق بين واشنطن وطهران

نتنياهو.... وألغام الاتفاق بين واشنطن وطهران

رغم الاحتفاء الدولي بمذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بيزشكيان، والتي تنص على إعادة فتح مضيق هرمز خلال ثلاثين يوماً ووقف المواجهة العسكرية بين الطرفين، فإن القراءة المتأنية لبنود الاتفاق تكشف أن الطريق نحو الاستقرار لا يزال مليئاً بالألغام السياسية والاستراتيجية التي قد تنفجر في أي لحظة.
فالواقع أن الاتفاق لم يعالج جذور الأزمة بين واشنطن وطهران، بل نجح فقط في تجميدها مؤقتاً ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة كانت ستشعل الخليج بأكمله، وبينما يتحدث الطرفان عن مرحلة جديدة من التهدئة، فإن ملفات الخلاف الأساسية بقيت مفتوحة، بل إن بعضها أصبح أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل الحرب.
أول هذه الألغام يتمثل في الملف النووي الإيراني. فالاتفاق الحالي لم يقدم حلاً نهائياً لهذه القضية التي كانت ولا تزال محور الصراع بين البلدين، كل ما حدث هو تأجيل النقاش حولها إلى جولات تفاوضية لاحقة، ما يعني أن الأزمة الأساسية ما زالت قائمة، فواشنطن تريد قيوداً صارمة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تصر طهران على حقها في تطوير برنامجها النووي ورفع جميع القيود المفروضة عليها، وبين هذين الموقفين المتناقضين تقف المنطقة أمام احتمال عودة التوتر في أي لحظة.
أما اللغم الثاني فيتعلق بالعقوبات الاقتصادية التي تخنق الاقتصاد الإيراني منذ سنوات، فإيران تعتبر أن أي اتفاق حقيقي يجب أن يبدأ برفع شامل للعقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة وفتح الأسواق العالمية أمامها وتعويضها عن الخسائر التي لحقت بها خلال سنوات الحصار والحرب، في المقابل، ترى الإدارة الأميركية أن رفع العقوبات يجب أن يكون تدريجياً ومشروطاً بخطوات إيرانية ملموسة وقابلة للتحقق. وهذا الخلاف لا يتعلق بالتفاصيل التقنية فقط، بل يعكس انعدام الثقة العميق بين الطرفين بشأن الالتزام بالتعهدات المستقبلية.
ويبرز لغم ثالث لا يقل خطورة عن سابقيه، ويتمثل في المكانة الإقليمية لإيران، فمذكرة التفاهم لا تقتصر على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، بل تحمل في طياتها اعترافاً أميركياً غير مسبوق بالدور الإيراني في إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهذا التطور يحمل أبعاداً استراتيجية كبيرة، لأنه يمنح طهران شرعية سياسية كانت الولايات المتحدة تتجنب الاعتراف بها لعقود طويلة، ومن المتوقع أن يثير ذلك اعتراضات إقليمية ودولية، وفي مقدمتها إسرائيل التي ترى في أي اعتراف بالدور الإيراني تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها في المنطقة.
ويأتي اللغم الرابع من الساحة اللبنانية، التي تحولت إلى واحدة من أكثر ساحات الاشتباك حساسية بين إيران وإسرائيل، فنجاح أي تفاهم أميركي إيراني لن يقاس فقط بما يجري في مضيق هرمز أو في الملف النووي، بل أيضاً بقدرته على تثبيت وقف إطلاق النار الهش في لبنان ومنع عودة المواجهة العسكرية، فالولايات المتحدة تسعى إلى هدوء طويل الأمد على الحدود اللبنانية الفلسطينية، بينما ترى إيران أن أي ترتيبات أمنية في لبنان يجب ألا تأتي على حساب نفوذ حلفائها أو دورهم في معادلة الردع الإقليمية.
وتدرك إسرائيل أن أي تهدئة مستقرة في لبنان قد تمنح خصومها فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم واستعادة قدراتهم، لذلك قد تنظر بعين الريبة إلى أي تفاهم أميركي إيراني لا يحقق أهدافها الأمنية بالكامل، ومن هنا يتحول لبنان إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الاتفاق على الصمود، لأن انهيار وقف إطلاق النار هناك قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد الإقليمي تعيد التوتر إلى العلاقة بين واشنطن وطهران.
لكن اللغم الأكبر والأكثر تعقيداً يبقى انعدام الثقة المتبادل، فإيران تتفاوض اليوم مع رئيس أميركي انسحب سابقاً من الاتفاق النووي، ثم خاض مواجهة عسكرية معها خلال سنوات حكمه، وأطلق تصريحات تحدث فيها عن تغيير النظام الإيراني أو تدمير قدراته الاستراتيجية، ومن الجانب الأميركي، لا تزال هناك شكوك عميقة بشأن نوايا إيران وأهدافها النهائية في المنطقة، ولذلك فإن أي أزمة جديدة أو سوء تقدير سياسي قد يعيد الطرفين سريعاً إلى مربع المواجهة.
وتدرك إسرائيل جيداً أن هذا الاتفاق، رغم كل ثغراته، قد يشكل نقطة تحول في العلاقة بين واشنطن وطهران، وهو ما يفسر حالة القلق التي تسود المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، فتل أبيب كانت تراهن على استمرار سياسة الضغوط القصوى والعزلة، لكنها تجد نفسها أمام واقع جديد قد يسمح لإيران باستعادة جزء من قوتها الاقتصادية والسياسية إذا نجحت المفاوضات اللاحقة.
لا يبدو أن الاتفاق الأميركي الإيراني أنهى الأزمة بقدر ما نجح في تأجيل انفجارها، فالألغام المزروعة تحت مسار التفاهم لا تزال في أماكنها: الملف النووي، والعقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمي الإيراني، وملف لبنان ووقف إطلاق النار فيه، ثم انعدام الثقة التاريخي بين الطرفين، ولذلك فإن إعادة فتح مضيق هرمز قد تكون الخطوة الأسهل في هذا المسار، أما الاختبار الحقيقي فسيكون في قدرة الطرفين على تفكيك هذه الألغام قبل أن تنفجر من جديد وتعيد المنطقة إلى دوامة الصراع والحرب، وقد يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان الاتفاق قد نجح، بل إلى متى يستطيع الصمود فوق هذا الحقل الواسع من الألغام السياسية والأمنية والاستراتيجية.
واخيرا، يبقى عامل آخر لا يقل خطورة عن بقية الألغام، وهو الموقف الإسرائيلي من الاتفاق نفسه، فالحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو لا تنظر إلى أي تفاهم بين واشنطن وطهران باعتباره فرصة للاستقرار، بل تعتبره تهديداً مباشراً لمشروعها السياسي والأمني، فنتنياهو بنى جزءاً كبيراً من حضوره السياسي خلال العقود الماضية على تصوير إيران باعتبارها الخطر الوجودي الأول، وعلى دفع الولايات المتحدة نحو سياسة المواجهة والعقوبات والضغوط القصوى، ولذلك فإن أي اتفاق يخفف التوتر بين الطرفين أو يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع من شأنه أن يسحب من يده إحدى أهم أوراقه السياسية داخلياً وخارجياً.
ومن هنا لا يمكن استبعاد محاولات إسرائيلية لإفشال مسار التفاهم، سواء عبر الدفع نحو عودة التصعيد في لبنان، أو من خلال عمليات أمنية وعسكرية تستهدف المصالح الإيرانية، أو عبر ممارسة ضغوط مكثفة داخل واشنطن لإبطاء تنفيذ الاتفاق أو تفريغه من مضمونه، فالتجارب السابقة أظهرت أن تل أبيب لم تتردد في استخدام مختلف الأدوات السياسية والأمنية لإعاقة أي مسار تفاوضي لا يتوافق مع رؤيتها.
لهذا فإن مستقبل الاتفاق لن يتوقف فقط على قدرة واشنطن وطهران على تجاوز خلافاتهما، بل أيضاً على قدرتهما على تحييد الأطراف التي ترى في استمرار الصراع مصلحة استراتيجية، فبينما يبحث الطرفان عن صيغة تمنع الحرب وتؤمن المصالح المتبادلة، قد تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة جديدة تعتبرها أكثر خطورة من المواجهة نفسها، من خلال اي خلاف مع الموقف الأمريكي، او إضعاف قدرتها على التأثير في القرار الأميركي نفسه ، مما يحد من توظيف الخطر الإيراني في معاركها السياسية، وعند هذه النقطة تحديداً قد يصبح تخريب الاتفاق هدفاً بحد ذاته بالنسبة لنتنياهو، ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضاً لأنه يرى في نجاحه تهديداً مباشراً لمستقبله السياسي ومكانته داخل إسرائيل.

18 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

نتنياهو.... وألغام الاتفاق بين واشنطن وطهران